المنبر الحر | مؤتمر الأصالة والمعاصرة وإشكال القيادة الثلاثية

بقلم: بنعيسى يوسفي
الذين قالوا أن “السياسة فن الممكن” لم يجانبوا الصواب البتة، والحقيقة، أن السياسة في عمقها وجوهرها تبقى آلية من آليات البحث عن الحلول أو مخارج لأزمة أو مشكلة ما باستحضار واستثمار كل الوسائل التفاوضية، من نقاش وحوار وتصورات وتوافقات وما إلى ذلك، وما حدث في المؤتمر الأخير لحزب الأصالة والمعاصرة لا يخرج عن هذه القاعدة، رغم بعض الانتقادات التي تعرض لها هذا المؤتمر والطريقة التي أفرز بها القيادة الثلاثية الحالية، والتي أثارت العديد من الأسئلة حول الواقع الحزبي في المغرب، ولماذا كل هذه الصعوبات والإكراهات التي تقف في بعض الأحيان حائلا أمام انعقاد مؤتمرات عادية بسلاسة، ويتم نقل القيادة إلى أشخاص آخرين بشكل ديمقراطي دون لغط أو ارتدادات أو طعون، أو اللجوء في بعض الأحيان إلى القضاء لاسترداد بعض الحقوق المهضومة، خاصة إذا علمنا أن هناك من خرج من المؤتمر غاضبا ومتذمرا ومحتجا على ما آلت إليه الأوضاع في الحزب وعلى النتائج التي تمخضت عن المؤتمر بشكل خاص، وطريقة تدبير هذا الحدث المفصلي، ليس في مسار “البام” فحسب، وإنما في مسار أي حزب كيفما كان نوعه؟
فالمؤتمرات الحزبية هي التي تعطي الصورة الواضحة على مدى مناعة هذا الحزب وقوة ديمقراطيته، ومدى تشرّب ثقافة الاختلاف والرأي والرأي المخالف، والنقد المتبادل في إطار الأخلاقيات والأدبيات الحزبية والسياسية التي تمثل الوقود الحيوي الذي تسير به عجلة الحزب، وأي إخلال أو عدم احترام هذه المبادئ وهذه المقومات، هو عرقلة واضحة لهذه العجلة، فقد تصبح العرقلة مع مرور الوقت معضلة حقيقية في مسار الحزب، والتي قد تفضي به إلى الانحباس والجمود، وبالتالي يمكن أن تنفجر الأمور في أي لحظة.
إن أصعب محطة سياسية يعيشها حزب معين، هي بدون منازع محطة انعقاد مؤتمره، فالأمر يقتضي ترتيبات واستعدادات وتوافقات على كثير من المستويات، وعلى أكثر من صعيد، وتهييء الأرضية الصلبة لتحمّل الاصطدامات وحرارة النقاشات والحوارات، واستحضار الظروف السياسية والاقتصادية التي تمر منها البلاد، وفي بعض الأحيان، يجب استحضار حتى السياق الإقليمي والدولي، وواهم من يعتقد أن المؤتمرات الحزبية تعقد بعيدا عن هذه المؤثرات بالخصوص، ومؤثرات أخرى داخلية خالصة، لدرجة أن هناك من يعتبر الاستعدادات والتحضيرات القبلية تكون أهم مما قد يحدث في سياق المؤتمر، بحيث تكون المساحة واسعة لتبادل الأفكار ووجهات النظر ودراسة السيناريوهات المحتملة، وقد يحدث ألا يتم إعلان وقت المؤتمر حتى تنضج شروط نجاحه على الرغم من أنه يمكن تجاوز التاريخ القانوني لانعقاد هذا المؤتمر بأيام أو شهور، لكن النتيجة هي الحفاظ على لحمة الحزب والانتقال به إلى بر الأمان تحاشيا لحدوث تصدعات أو انشقاقات فيه، لكن دون أن يعني ذلك القفز على بعض الثوابت والضوابط القانونية والديمقراطية التي تعطي لهذا المؤتمر طابعه القانوني، فالقوانين الحزبية هي الجديرة أولا وأخيرا بالاحترام في مثل هذه الاستحقاقات، وهذا ما لا يتأتى لمجموعة من الأحزاب، الشيء الذي يجعل مؤتمراتها في بعض الأحيان تبدو شكلية وصورية لا تقدم أي إضافة للمشهد الديمقراطي الحزبي خاصة، والسياسي عامة.
انتهى المؤتمر الخامس لحزب الأصالة والمعاصرة إلى ما انتهى إليه وخلف وراءه كلاما كثيرا، رغم أنه ظهر بمظهر جميع المؤتمرات، وانتهى كما تنتهي: انتقادات، انتخاب، قيادة اتفاق، توافق، غضب، احتجاج… وهذا أمر جد عادي، لكن الشيء الذي أثار انتباه العديد من المتتبعين للشأن السياسي والحزبي، هو كيف اهتدى الحزب إلى جعل قيادة الحزب بثلاثة رؤوس؟ وما الدواعي والأسباب التي أفضت إلى هذه البدعة السياسية وابتكار هذا الأسلوب في التسيير الحزبي، الذي جعل الكثيرين يستبد بهم الخوف من انتقال العدوى إلى أحزاب أخرى مقبلة على عقد مؤتمراتها في قادم الأيام؟ فرغم كل التبريرات والمسوغات التي قدمتها القيادة الثلاثية لـ”البام” للتخفيف من هول هذه المفاجأة وإضفاء نوع من المشروعية على هذا التحول في مفهوم القيادة في الأحزاب، إلا أنها لم تقنع أحدا، وفتحت باب التأويلات على مصراعيه لدرجة أن هناك من ذهب إلى أن هذه القيادة ما هي إلا تلك الشجرة التي تخفي الغابة، وأن الحزب يعاني من مشاكل وأزمات عميقة بين مناضليه وهياكله، لم تسعف في إيجاد مخرج موضوعي وذي مصداقية لانتخاب أمين عام واحد للحزب، ولعل عدم حضور الأمناء العامين السابقين للحزب إلى المؤتمر، دليل قاطع على أن هناك أشياء ليست على ما يرام، وهذه القيادة الثلاثية ما هي إلا تأجيل لحل الأزمة وتذويب الخلافات ريثما تتوفر شروط أخرى أكثر موضوعية في المستقبل لرأب الصدع ووضع الحزب على سكته الصحيحة، لذلك، يمكن القول أن الحزب بهذه التركيبة الثلاثية أراد أن يعطي الدليل على أن لا فرق بين قيادة جماعية وقيادة فردية للحزب، شريطة أن يكون هناك انسجام في المواقف وتنسيق في الأفكار وتوزيع المهام، وكأن الأمر يتعلق باكتشاف جديد في الممارسة السياسية يجب على الأحزاب السياسية الأخرى اللجوء إليه إذا اقتضت الضرورة ذلك.
وإذا كانت الممارسة السياسية الحقيقية الناضجة تنبني على الشفافية وقول الحقيقة للمواطن، باعتباره المستهدف أولا وأخيرا من كل الاستحقاقات الانتخابية الحزبية وغيرها، فإن هذا المواطن لا زال يطالب بكشف النقاب عن الخلفيات الحقيقية وراء تصميم وإصرار هذا الحزب على تكريس عرف غير مستساغ في الحقل السياسي، وهو القيادة الثلاثية للحزب، ويتساءل ما مدى ديمقراطية هذا السلوك في حزب يدعي الحداثة والتقدمية ؟



