تحليل إخباري | من إشهار الإسلام أو “الطوفان” إلى نشر شروط المشاركة السياسية
"العدل والإحسان" تطور نفسها
بغض النظر عن حكاية الشيخ والصحافي(..)، وهي ملخص الحكاية التي جمعت الصحافي الراحل مصطفى العلوي والمرشد الراحل الشيخ عبد السلام ياسين(..).
من رسالة الإسلام أو “الطوفان”، والمعروفة بعنوان آخر هو “رسالة إلى ملك المغرب”، والتي كتبها الراحل الشيخ ياسين من مراكش سنة 1974.. وصولا إلى كتاب”Mémorandum à qui de droit” (مذكرة إلى من يهمه الأمر).. وهي طريقة أكثر لباقة استقبل بها مرشد جماعة “العدل والإحسان” بداية عهد الملك محمد السادس.. وبغض النظر عما عرفه المغرب من تطورات ارتبطت بـ”النظام السياسي” وتجد تفسيرات أكثر في المناهج الأكاديمية، الغير مرتبطة حتما بـ”الفهم الشعبي” و”الفهم الشعبوي”.. فقد ظلت جماعة “العدل والإحسان”، بوصفها جماعة غير مشاركة(..)، أكثر إثارة للجدل، بدليل النقاش الذي خلقته مؤخرا بإصدارها رسالة “الوثيقة السياسية لجماعة العدل والإحسان” في هذا الظرف الذي يتميز بالتفكير السياسي في أمور لم تحدث بعد(..).
إعداد: سعيد الريحاني
يمكن انتقاد جماعة “العدل واإحسان”، ويمكن مناقشة الكثير من أفكارها، لكن ذلك لا يمنع من القول أنها ظلت “فئة مرغوبة” ومطلوبة للمشاركة.. بدليل حوارها مع الدولة في عدة محطات رغم الصراع المعلن، وهو نفسه الصراع الذي أعلن في وقت سابق مع زعيم الشيوعيين أبراهام السرفاتي، وكذلك الصراع المعلن مع رموز الاتحاد الاشتراكي، الذين انتهى بهم المطاف بالمشاركة في حكومة التناوب، فتناوبوا في استغلال المناصب والمكاسب(..)، وبعدها فتح الباب لمشاركة حزب العدالة والتنمية، الذي مر هو الآخر من مخاض عسير تحول بمقتضاه من حركات دعوية توحدت(..) إلى حزب سياسي قادته رياح “الاحتجاج” في سياق دولي، إلى السلطة، قبل أن يخرج منها بهزيمة انتخابية، جعلته يعود إلى دكة “البدلاء السياسيين”.
الحديث عن صدور الوثيقة السياسية لجماعة “العدل والإحسان”، يفرض الانتباه أولا إلى ظروف تقديمها، ولا داعي لقول ما لا يجب أن يقال في هذه الظروف(..)، حيث تميزت ندوة تقديمها بحضور عدة شخصيات لها رمزيتها، كبعض النشطاء في المجال الحقوقي والمجال السياسي، بل إن بعض رموز حركة “التوحيد والإصلاح” التي توصف بالذراع الدعوي لحزب العدالة والتنمية، كانوا حاضرين، الأمر الذي يعطي الإشارة إلى أن الجماعة قادرة على التنسيق بين عدة أطراف، وأنها ليست معزولة(..).
ربما يتم تحضير شيء ما(..)، فحتى المصطلحات الصادرة على لسان القياديين في جماعة “العدل والإحسان”، أصبحت أكثر واقعية وأكثر سياسية، والنموذج من تصريحات رئيس الدائرة السياسية نفسه، فهذا الأخير كان يقول – على سبيل المثال – في سنة 2013، أن: ((جوهر المشكلة يكمن في الاستبداد، فالمؤسسة الملكية في المغرب تقوم على حيازة السلطة المطلقة)، وأنه ((لا يمكن أن يقع تغيير في ظل الاستبداد الذي هو قرين للفساد)).. أما اليوم، فعبد الواحد المتوكل، وهو بالمناسبة رجل من العيار الثقيل في الجماعة شأنه شأن فتح الله أرسلان، وآخرين، منهم من يفضلون الصمت ويتراوحون بين الدائرة السياسية والدوائر الأخرى(..)، فيقول: ((إن الوثيقة السياسية كفكرة كانت مطروحة منذ زمن على الجماعة، لكن ما منع إصدارها ونشرها للعموم، هو غياب الإرادة السياسية الحقيقية للإصلاح، وعدم وجود بيئة تعددية ديمقراطية قابلة لاستيعاب الجميع ودون إقصاء))، مؤكدا أن ((الجماعة تمسكت برفض نشر هذه الوثيقة ما لم توجد هناك إرادة سياسية وضمانات دستورية وقانونية تعطي لصوت الناخب قيمة وللمشاركة السياسية معنى)).

هل تغير الواقع الذي تشتغل فيه جماعة “العدل والإحسان”، أم أن الجماعة نفسها مقبلة على تغيير كبير(..)؟ يقول المتوكل بلغة لا تخلو من كبرياء سياسي: ((إن الجماعة قررت أن تعيد النظر في هذا الموقف.. ليس لأن الواقع السياسي في المغرب تغير، أو أن المناخ السياسي قد تهيأ للعمل السياسي بالشروط المتعارف عليها في الأنظمة الديمقراطية، بل بسبب رغبة الجماعة في أن تتجاوز ما كان يعيبه عليها بعض الفرقاء السياسيين بخصوص غموض موقفها السياسي، وطموحاتها، ودفعا للاتهامات الباطلة التي تساق للتخويف من الجماعة، من قبيل أنها تطمح إلى إقامة الخلافة، والقضاء على التعددية السياسية وغيرها))..
باختصار، يقول المتوكل لمن يعنيهم الأمر، والكلام محسوب عند جماعة “العدل والإحسان” بخلاف تنظيمات أخرى مشابهة: ((نحن لا نسعى إلى إقامة دولة الخلافة، كما لا نسعى إلى منع التعددية السياسية)).. بغض النظر عن الورقة، ماذا بقي إذن؟ أليست معضلة جماعة “العدل والإحسان” هي مشكلة مع النظام نفسه.
جماعة “العدل والإحسان” هي نفسها، لكنها كتبت اليوم بمناسبة صدور وثيقتها السياسية، وهي مشاركة سياسية بغض النظر عن نوعها(..): ((أن يُقدّم جمع من المواطنين والمواطنات المغاربة، يجمعهم جامع مشروع ولحمة تنظيم، معرضون لصنوف شتى من الإقصاء والاستبعاد، ومحرومون من حقوق عدة، ولا يستفيدون من مغانم السلطة ومزاياها.. أن يقدموا 777 مقترحا في شتى مجالات الحياة الجماعية، بهدف أن يجد الوطن ذاته ويتخلص من الأعطاب التي وضع في أتونها، فإن هذا السلوك – وبغض النظر عن مضمون مقترحاتهم المطروحة للنقاش والقبول والرد – ينم عن روح وطنية عالية وحب حقيقي لشعبهم وبلدهم)) (المصدر: موقع جماعة “العدل والإحسان”/ ركن “لنا الكلمة”).

ولمن لم يجد الوقت لقراءة 170 صفحة من المذكرة السياسية لجماعة “العدل والإحسان”، فقد لخصتها الجماعة نفسها كما يلي، وننشرها دون زيادة أو نقصان:
((- “العدل والإحسان” هي “العدل والإحسان”، فأن تتقدم في السير وتتطور في عدد من جوانب عملها خطابا وتفصيلا واقتراحا وآليات اشتغال، فهذا لم يطمس أبدا هويتها وشعارها ومنطلقاتها وغاياتها التي لم تتبدل ولم تتغير، بل زادت رسوخا وتألقا في سماء تتسيد فيها الحيرة الكبرى والتطويع المستمر؛
– في سياق من “الشرود الجماعي” والاستسلام الطوعي للاستبداد والتسلط، وفي وضع هو أشبه بحفلة تنكرية شعارها لنمثل جميعا أننا في زمن “المغرب الديمقراطي”! تود الوثيقة إعادة الجميع إلى المربع الأول.. مربع الحقيقة الكاشفة للواقع المختل، والتأسيس الجاد للاجتماع المغربي المكين، ثم الاستشراف البناء للمستقبل المأمول؛
– لذلك، من أغراض الوثيقة الرئيسة، إعادة تحريك الساكن، ومحاولة الإجابة الصريحة عن الأسئلة البديهية: متى كان الحكم الفردي ميزة يتفاخر بها العقلاء؟! ومتى كان التسلط المتأصل والإفساد الواسع عنوان تقدم ومسلك خلاص؟!)).
الفقرات أعلاه حول طريق “الخلاص”، منقولة بـ”إخلاص” من موقع الجماعة، وهي نفسها توضح لكم اليوم طريقة “الخلاص”، مع العلم أن الأسلوب الذي تتحدث به الجماعة يكاد يكون مألوفا لدى النخب الأكاديمية، ويمكن مناقشة الكثير من أفكارها دون عناء في حالة ارتفاع المستوى الثقافي(..).

الحل بالنسبة للجماعة كما يلي:
((- لإحكام المنطلقات والبدايات – التي كثيرا ما أخطأتها السلطة والنخبة – تقترح الوثيقة بشكل واضح وصريح “مبادرة سياسية” تُخرج المغاربة، بقيادة قواهم ونخبهم، من وضع السلبية والتلقي والتصديق والتفاعل (مع تحكم مخزني لا يخفى عبر أدوات الوعد والوعيد) إلى وضع المبادرة والفعل والانطلاق والتأسيس.. وضع مغاير يؤسس لمسار جديد، ينطلق من “نقطة ارتكاز” تتمثل في ثلاثية: وثيقة مبادئ فوق دستورية – جمعية تأسيسية غير سيادية – دستور ديمقراطي؛
– ليتسلسل بعد ذلك المسار الطبيعي لبناء نظام حكم يعكس حقا السيادة الشعبية، ويستمد شرعية وجوده من الإرادة الشعبية الحرة، وليتمدد التشييد من “نقطة الارتكاز” تلك إلى مختلف قضايا السياسة وآليات الاقتصاد وأوعية الاجتماع، بنَفَس جماعي وغاية مجتمعية، في واجهتها بناء الدولة المكينة المستقرة على أسس العدل والديمقراطية، وفي القلب منها كرامة الإنسان المغربي وحاجياته وتطلعاته إلى العيش الكريم؛
– كل ذلك دونه “عتبة دخول”، نلج عبرها هذا المسار الجديد.. عتبة ليست سوى ما قالته الجماعة مجددا كما أكدته دائما: الحوار الحر المفتوح على مختلف الأطراف وكل القضايا.. الحوار الذي لا يقصي أحدا، ولا ينظر في المكاسب والأرباح، بل الواجبات والالتزامات، ولا يكون تسلية فكرية ولا تزجية للوقت، بل الحوار الجاد المسؤول الذي يضع أقدامنا على سكة الطريق الجديد؛
– في ضوء كل هذا، تعددت التفاصيل في الوثيقة بتعدد واتساع المجالات والقضايا والإشكالات، من مرشحين مُشتَركين للجمعية التأسيسية المنتخبة، إلى تعزيز مكانة وصلاحيات رئيس الحكومة، فتركيبة المجلس الأعلى للسلطة القضائية وليس انتهاء بالاقتصاد الرقمي واقتصاد المعرفة، ولا بأزمة السكن ومكانة ذوي الاحتياجات الخاصة… والواجب أن يدقق الفاعلون والباحثون في ما اقترحت الجماعة، وينظروا في ملاءمتها للواقع المغربي وإمكانيات تفعيلها، ولم لا تجاوزها إلى غيرها من مقترحات.. فالوثيقة رأي “العدل والإحسان” ولا يضرها أن ترتد في بعض المداخل والآليات والمقترحات إلى ما هو أجود منها حين يَجِدّ جدّ الحوار والنقاش وتنتصب مائدة البحث عن خلاص الوطن)) (المصدر: كل المقترحات مصدرها حرفيا موقع جماعة “العدل والإحسان”).
باختصار، تدعو الجماعة إلى اعتماد “وثيقة مبادئ فوق دستورية”، وهو ما يعني عمليا إلغاء الدستور الحالي، لأنه لا يمكن بناء دستور فوق دستور، بل إن القانون الأسمى لأي بلاد هو دستورها(..)، وأقل ما يمكن أن يقال هو أن جماعة “العدل والإحسان” تبدي استعدادها للمشاركة انطلاقا من تعديل دستوري.
ليس التعديل الدستوري فحسب، بل إن الآلية التي تقترحها الجماعة هي “جمعية تأسيسية”، وهو ما يعني تعطيل كل شيء وتوقيف الكرة الأرضية(..) ليأتي مجموعة من الأشخاص يحملون صفة عضو في الجمعية التأسيسية، لكي يقوموا بتأسيس الدولة من البدء، والواقع، أن مقترحا من هذا النوع قد يكون أحد معرقلات التفاعل مع الوثيقة(..) لولا أن جماعة “العدل والإحسان” نفسها تقول: ((الواجب أن يُدقق الفاعلون والباحثون في ما اقترحت الجماعة، وينظروا في ملاءمتها للواقع المغربي وإمكانيات تفعيلها، ولم لا تجاوزها إلى غيرها من مقترحات غيرها.. فالوثيقة رأي “العدل والإحسان” ولا يضرها أن ترتد في بعض المداخل والآليات والمقترحات إلى ما هو أجود منها حين يَجِدّ جدّ الحوار والنقاش وتنتصب مائدة البحث عن خلاص الوطن)).. وطبعا يندرج رأي الكاتب ضمن فسحة النقاش هاته.



