المنبر الحر | الغزاويون في قبضة تجار المآسي


بغض النظر عما تخلفه الحروب من دمار، وبغض النظر عن مآلات الحروب وما تفرزه من تغيير الخرائط الجغرافية.. إلا أن الاستيطان الصهيوني كان ولا زال يشكل الاستثناء مقارنة مع الحروب الأخرى، بشأن قواعد الحرب والاحتلال بالنظر لحجم الدمار والخسائر المادية والبشرية التي تكبدها الفلسطينيون منذ سنة 1948 إلى اليوم.. فالحرب النفسية التي يعيشها السكان العزل أشد وطأة من خراب البيوت والمؤسسات، وها هم الفلسطينيون، وبالأخص سكان قطاع غزة، يختارون طواعية مغادرة بلادهم بعدما كانت إسرائيل تقوم بتهجيرهم وهدم مساكنهم وبناء محلها مستوطنات لمواطنيها.
فمع استمرار الحرب.. قرر عدد كبير من الغزيين الخروج من القطاع حماية لأرواحهم من العدوان المتواصل، وقد تحدثت تقارير – نقلا عن الأمم المتحدة -عن أن 85 في المائة من سكان غزة أصبحوا الآن نازحين، وهم الآن يتجمعون في مدينة رفح جنوب القطاع، إذ يدفعهم القصف الجوي والبري الإسرائيلي إلى الخروج من المنطقة، لكن معبر رفح ظل مغلقا أمامهم في ظل عدم رغبة السلطات المصرية في تدفق الفلسطينيين عليها، بذريعة الانفلات الأمني الذي سيشكله نزوح الفلسطينيين في بلادهم، مما أرغم الفلسطينيين على دفع كل ما يملكون فقط من أجل الهروب من جحيم الحرب، كما أوردته “الغارديان” البريطانية في خبر بعنوان: “فلسطينيون يدفعون آلاف الدولارات للفرار من الحرب في غزة”، إذ أن أعدادا من الفلسطينيين لا يجدون سبيلا للفرار من نيران الحرب في غزة إلا عبر دفع مبالغ تصل إلى عشرة آلاف دولار لسماسرة من أجل مساعدتهم على الخروج من القطاع عبر مصر، ليعمق تجار المآسي أزمة الغزاويين من أجل ترحيلهم، والموضوع يطرح أكثر من علامة استفهام في ظل تناسل أخبار بتواطؤ هؤلاء السماسرة مع مخابرات بعض البلدان حتى يساعدوا الفلسطينيين على مغادرة وطنهم، بعدما لم تفلح سياسة الاستيطان في قطع جذور أصحاب الأرض منذ ما يقرب القرن من سياسة التهجير التي أقرها “وعد بلفور” المشؤوم.
وبالمقابل، ومن أجل قطع أي مساعدات عن ساكنة غزة، لجأت عدد من الدول إلى قطع إمداداتها لمنظمة غوث اللاجئين، تحت مزاعم بعلاقة موظفين تابعين لـ”الأونروا” مع أعضاء من حركة “حماس”، وكل ذلك من أجل دفع الغزاويين إلى الهروب من الجوع وشح المساعدات، حيث أصبحوا يواجهون مصيرهم، ومن بين المانحين، قرر الاتحاد الأوروبي وقف إمداداته لـ”الأونروا” حتى نهاية فبراير الجاري، إلى حين التأكد من صحة الأخبار التي تروجها صحف إسرائيلية وتصدقها الجهات المتواطئة، ومن جهة ثانية، هناك جهات في الاتحاد الأوروبي نفسه تريد مواصلة الدعم الإنساني للفلسطينيين، حيث تتضارب القرارات بهذا الخصوص، حتى أن الأمين العام أنطونيو غوتيريس، تعهد بإجراء “مراجعة عاجلة ومستقلة للأونروا”، وناشد الدول المانحة من أجل “ضمان استمرار الوكالة في نشاطها من أجل السكان البائسين الذين تخدمهم”، لكن لمن يوجه الأمين الأممي كلامه في ظل امتناع كل من ألمانيا والنمسا وكرواتيا ورومانيا والسويد تقديم مساعداتها للوكالة إلى حين الانتهاء من التحقيقات بشأن “تورط عدد من موظفي الأونروا في الهجوم الذي شنته حماس على في غلاف غزة في السابع من أكتوبر الماضي”، وفق مزاعم إسرائيلية ومن يدور في فلكها.
وفي هذا الخضم، يبقى الفلسطينيون بين جحيم البقاء في وطنهم مشردين بين الحياة والموت ودون مساعدات بعدما دمرت الغارات والقصف الصهيوني منازلهم ومخيماتهم، أو يختارون اللجوء إلى خارج بلدهم مكرهين.



