تحليلات أسبوعية

ملف الأسبوع | أصل الخلاف بين المغرب وإيران منذ زمن الحسن الثاني

إن ما يجري اليوم في الشرق الأوسط له انعكاسات على المغرب، مباشرة وغير مباشرة.. ففي ظل الحديث عن توسع الصراع، الذي بدأ فعلا بعد قصف قاعدة أمريكية في شمال الأردن، ظهرت بالموازاة مع الحديث عن الرد الأمريكي على هذا العمل، إشارات تقول إن استهداف وكلاء إيران سيكون في مختلف مناطق العالم وليس فقط في الشرق الأوسط، وهو ما يحيل بطريقة مباشرة إلى منظمة البوليساريو، على اعتبارها أحد معاقل النظام الإيراني في القارة الإفريقية، غير أن ما يثيرنا بخصوص هذا الموضوع، هي العلاقة بين المغرب وإيران منذ الثورة الإيرانية.. فمن خلال تتبع مواقف الملك الراحل الحسن الثاني، وقفنا على توقعات الرجل بخصوص تأثير الثورة الإيرانية على الشرق الأوسط، والعالم على المدى البعيد، فكيف نظر الرجل للثورة الإيرانية وتأثيرها على مستقبل العالم؟

تفاصيل ذلك تجدونها في هذا الملف.

تتمة المقال تحت الإعلان

أعد الملف: سعد الحمري

تتمة المقال تحت الإعلان

  

صداقة متجذرة بين المغرب وإيران منذ ستينيات القرن الماضي

    بعد حصول المغرب على الاستقلال، وسقوط الملكيات تباعا في شمال إفريقيا، على غرار ما وقع في تونس وليبيا، في ظل المد الناصري الساعي إلى القضاء على الأنظمة الملكية في العالم العربي، وجد المغرب نفسه معزولا في شمال القارة الإفريقية، وخصوصا بعد أحداث 23 مارس 1965، التي تبعها اغتيال الزعيم الاتحادي المهدي بنبركة، ثم فرض حالة الاستثناء بالمغرب، وعلى هذا الأساس، حاول الحسن الثاني ربط علاقات مع بعض الملكيات في الشرق الأوسط، على غرار المملكة العربية السعودية، إلى جانب المملكة الإيرانية، التي ربط ملك البلاد علاقات متينة مع إمبراطورها محمد رضى بهلوي، منذ أواسط ستينيات القرن الماضي، بداية من زيارة شاه إيران إلى المغرب خلال صيف عام 1966، التي قوت العلاقات بين البلدين.

يومها حظيت زيارة الشاه للمغرب بتغطية إعلامية واسعة، سواء المغربية أو الإيرانية، وفي هذا الإطار، أجرت وسائل الإعلام الإيرانية ندوة صحافية خاصة مع الملك الحسن الثاني يوم 20 يوليوز 1966، حول مستقبل العلاقات بين البلدين، وكان أهم سؤال طرح على العاهل المغربي، هو “ما هو انطباع جلالتكم على زيارة جلالة شاهنشاه المعظم للمملكة المغربية؟ وما هو أثر هذه الزيارة في العلاقات بين المغرب وإيران؟”، وأجاب الملك بأن ((المغرب، ملكا وشعبا، كان يسمع منذ القديم بالمملكة الإيرانية وبشعبها، وبالأخص كان يسمع بجلالة شاهنشاه، وكان يتتبع دائما وباهتمام متواصل، الجهود المستمرة التي ما فتئ يبذلها جلالة الشاه منذ أن اعتلى عرش إيران، الشيء الذي جعل المغرب، ملكا وشعبا، يتطلعون بفارغ الصبر إلى زيارة شاه إيران إلى المغرب)).

وأضاف الملك ضمن الجواب عن هذا السؤال، أنه ((عندما طلع علينا بعاصمة مملكتنا، شعرنا إذ ذاك، ملكا وشعبا، أننا نستقبل صديقا لبلدنا ونستقبل ممثلا لشعب أبي أصيل في الحضارة قد أدلى هو الأول بنصيبه الأوفر في بناء الحضارة العربية والإسلامية، الشيء الذي جعلنا نشعر بأننا نستقبل عضوا من الأسرة الإسلامية الكبرى عزيزا علينا، ولنا اليقين بأن الزيارة الميمونة التي قام بها شاهنشاه إيران ستترك أولا صدى عميقا في نفوس المغاربة من الناحية البشرية، كما أن لنا اليقين بأن هذه الزيارة ستتولد عنها مضاعفات كبيرة ذات مدى واسع ونطاق فسيح نود أن تأتي بأحسن الثمرات فيما يخص العلاقات بين البلدين والشعبين الشقيقين)).

الحسن الثاني: الثورة الإيرانية ستشكل أزمة طاقة عالمية إضافة إلى تهديد الحرمين الشريفين

    كانت هذه الزيارة بداية علاقة وطيدة بين البلدين، وبين الرجلين اللذين ربطتهما صداقة عميقة منذ تلك الفترة، غير أنه وبعد مرور عقد كامل على هذه العلاقة، دخل المغرب في مشكل كبير، وهو قضية استرجاع الصحراء المغربية، أما إيران، فكان حالها أسوأ، بفعل اندلاع ما يعرف بالثورة الإيرانية، التي اندلعت شرارتها انطلاقا من يوم 7 يناير 1978.. يومها كان المغرب منشغلا بعدة قضايا خارجية تهم أمنه القومي، لعل أبرزها تطورات قضية الصحراء المغربية، وقضية الكونغو الديمقراطية، التي كان المد الشيوعي يسعى إلى إطاحة نظام الحكم فيها، والذي كانت تربطه علاقة تحالف مع المملكة، الأمر الذي جعل القوات المسلحة الملكية تتدخل وتحبط المحاولة الانقلابية، وبالتالي القضاء على التمرد، وإلى جانب ذلك، هناك قضية محاولة إحلال السلام بين مصر وإسرائيل، التي بدأ مسلسها الرئيس المصري الراحل أنور السادات، وكان المغرب الوحيد في العالم العربي الذي أعلن عن دعمه للمبادرة المصرية.

وبالموازاة مع ذلك، كانت هناك الثورة الإيرانية، تسير يوما بعد آخر في اتجاه الإطاحة بنظام حكم شاه إيران محمد رضى بهلوي، وإقامة جمهورية إسلامية بقيادة آية الله الخميني.. يومها لم يتردد المغرب في إبداء رأيه بخصوص هذه القضية، وإعلان دعمه الصريح والقوي للشاه، بهذا الخصوص، علق المفكر الشهير عبد الله العروي على دعم الحسن الثاني لشاه إيران ومعاداة الخميني وقال: ((الخميني منتصر، والدول الكبرى والصغرى تتسابق للاعتراف بحكمه.. ماذا يجني المغرب من مهاجمته لا سياسيا فقط، بل عقائديا كذلك؟ هذا خطر استضافة صغار الصحفيين)) (المصدر: خواطر الصباح يوميات 1974-1981).

أما عوامل دعم الملك لشاه إيران، ومعاداته لنظام الخميني، فقد صرح بها قبل سقوط نظام الشاه بأشهر، إذ لم يكن هذا العداء بسبب ما تم الترويج له لعقود من كون الحسن الثاني وقف في وجه نظام الخميني لأنه رأى فيه زعامة دينية تنافسه على اعتباره أمير المؤمنين، ولنتأمل التصريح الذي أدلى به الحسن الثاني لجريدة “نيويورك تايمز” الأمريكية يوم 10 نونبر 1978، أي ثلاثة أشهر قبل نجاح الثورة الإيرانية.. فقد ((أعرب الملك الحسن الثاني – خلال هذا التصريح – عن قلقه تجاه الوضع في إيران أكثر مما كان قلقه من قمة بغداد أو المفاوضات المصرية الإسرائيلية التي كانت تجري في واشنطن، ورأى الحسن الثاني أن الوضع في إيران يمكن أن يؤدي إلى حدوث كارثة عالمية من جهتين: فمن جهة، حرمان الغرب من البترول، ومن جهة ثانية، تعرض الديار المقدسة في المملكة العربية السعودية إلى الخطر، مما قد يؤدي إلى حرب مقدسة من طرف مسلمي العالم)).

وأضاف الحسن الثاني: ((إن عدم استقرار الوضع في إيران سيصيب مباشرة الخليج والمملكة العربية السعودية، ولقد ألزم القرآن الكريم المسلمين بإشهار الحرب لحماية الأماكن المقدسة، وهذه الحرب المقدسة لن تكون سوى شعلة الكراهية الدينية التي ستعم أرجاء العالم إلى ماليزيا والفيليبين))، وأوضح الملك، أن ((مشاركة المغرب في هذه الحرب المقدسة لن تقتصر على 350.000 شخص الذين شاركوا في المسيرة الخضراء، بل ستشمل 18 مليونا من المواطنين المغاربة))، وأعلن الملك أنه ((سيقف إلى جانب المسلمين في هذه الحرب ولو تجاوزت الثمانين عاما)).

وفي ذات السياق، وخلال نفس التصريح، أشار الملك إلى أن اهتمامه بالوضع في إيران جعله يوفد مبعوثين خاصين لتقييم الوضع هناك، وقد قام بهذه المبادرة بصفة شخصية، دون أن تكون لها علاقة بعرض وساطته، وأعلن أنه أوفد منذ شهر وزير الدولة المكلف بالإعلام عبد الهادي بوطالب، للتباحث مع آية الله شاريا تماداري في مدينة قم، وقد وجه إلى الزعيم الديني الشيعي سؤالا حول ما إذا كان يعتقد ببساطة أن المسلمين سيتولون حقا زمام الأمور إذا ما تعرض نظام الشاه إلى هزات؟ فكان جوابه بالنفي بصفة قطعية، مضيفا أن الشيعيين يعرفون حق المعرفة أن الماركسيين سينقضون على الحكم إن عاجلا أو آجلا، وأن قيام جمهورية إسلامية مثل التي يطالب بها آية الله الخميني يعتبر شيئا مستعجلا.

وقال الحسن الثاني أن أي اختلال أو تغيير في نظام الملكيات والإمارات الواقعة حول الخليج، ستكون له نتائج مأساوية، نظرا لعامل الدين وعامل الطاقة.

لنتأمل هذا التصريح ونسقطه على اليوم، ليتبين أن الرجل كان ينظر إلى نتائج الثورة الإيرانية على المدى البعيد، وأن ما نبه إليه بالأمس هو ما يحصل اليوم.

صورة تؤرخ لإغلاق السفارة الإيرانية في الرباط

هكذا تنبأ الحسن الثاني بتأثير الثورة الإيرانية على موازين القوى في الشرق الأوسط

    تزامنت الثورة الإيرانية مع المفاوضات المصرية الإسرائيلية حول عملية السلام، وبعد نجاح الثورة الإيرانية، بدأ ينظر لها على أنها ستغير لا محالة ميزان القوى جذريا في الشرق الأوسط، خصوصا في ظل الحديث عن عجز العرب عن مواجهة إسرائيل، وكان من بين من استبشر بهذا التحول، زعيم منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات، الذي زار آية الله الخميني في إيران، وصرح من هناك بأن ما حدث في هذا البلد أحدث تغييرا جذريا على ميزان القوى في الشرق الأوسط.

وفي الوقت الذي كان الحسن الثاني منشغلا بزيارة فرنسا من أجل بحث قضية الصحراء، في ظل الانقلاب العسكري الذي شهدته موريتانيا، وبحث إمكانية الوساطة الفرنسية بعد وفاة هواري بومدين وصعود قيادة جزائرية جديدة بقيادة الشاذلي بن جديد، أقام الرئيس الفرنسي يوم 16 فبراير 1979 مأدبة غذاء تكريما للملك، ورغم ذلك أقام الحسن الثاني مؤتمرا صحفيا، ومن الأسئلة التي طرحت عليه، كان أول سؤال بخصوص الثورة الإيرانية، ومدى تأثيرها على ميزان القوى في الشرق الأوسط، كالتالي: “سبق لياسر عرفات أن صرح في إيران بأن ما حدث في هذا البلد قد أحدث تغييرا جذريا على ميزان القوى في الشرق الأوسط، هل هذا صحيح؟”، فأجاب الملك قائلا: ((نعم، إن السيد ياسر عرفات على حق، لقد أدخلت أحداث إيران تغييرا جذريا على طبيعة المشكل في الشرق الأوسط))، وقد بدى للصحفيين أن جواب الملك غير واضح، فطلبوا توضيحا أكثر، فأجاب بالتالي: ((لنأخذ هذا المثل: في يوم ما سيطلب العراق وسوريا من السيد الخميني أن يزودهما بالسلاح باسم التضامن الإسلامي المشترك ضد إسرائيل، فماذا سيكون جوابه؟))، ثم قال له الصحفي: “أنا أيضا سأكون مهتما بهذا الجواب”، وقال الملك: ((سيكون السيد الخميني أمام اختيارين عسيرين: إما أن  يرفض ويكون متناقضا مع نفسه، أو يقبل وبذلك يختل توازن القوى))، ثم سأله الصحفي: “إذن، تعتقدون أنه في مصلحة إسرائيل توقيع معاهدة السلام مع مصر في أسرع وقت ممكن، فهل هذا أصبح حتميا أكثر من أي وقت مضى؟”، أجاب الملك: ((أعتقد أنه إذا كانت إسرائيل تريد العيش في حسن الجوار في المنطقة، فيجب أن تبدي ذلك ببذل مجهود كبير في المفاوضات الحالية، لماذا؟ لأن إيران أصبحت الآن نقطة اتصال لجميع الأنظمة الماركسية العربية، فرئيس اليمن الجنوبية توجه حاليا لزيارة الخميني، وإذا تطورت الوضعية في إيران في هذا الاتجاه، فيمكن أن تعطي أملا للأنظمة الماركسية في المنطقة وتصبح إسرائيل رغما عنها على رأس الأنظمة الماركسية)).

بعد ذلك، دخل الملك في صراع شخصي مع آية الله الخميني، حيث صرح أنه سوف يعلن إلحاده إذا كان الخميني يجسد الإسلام.. ففي مقابلة مع جريدة فرنسية، وردا عن سؤال: “في ما يتعلق بإيران، سبق لكم أن قلتم يوما أنه إذا ما قيل لكم إن الإمام الخميني يجسد الدين الإسلامي فإنكم ستعلنون إلحادكم؟”، فأجاب الحسن الثاني: “هذا صحيح، وما زلت متمسكا بما قلته، فإيران حاليا تقول بوجوب خضوع الدولة لا إلى القوانين الوطنية، وإنما إلى قوانين الشيعة الجعفرية التي تفترض وجود إمام يعلو على كل سلطة دينية، ومن هذا المنطلق خرقت بالطبع عدة قواعد من قواعد الإسلام السني، ومنها على سبيل المثال قاعدة الشورى))، ثم زاد موضحا: ((لا ينبغي أن ننسى أن للإسلام قوانينه لتسيير الشؤون العامة.. يمكن أن تسجلوا أن آية الله لم يبتدع شيئا، فالشيعة الجعفرية موجودة منذ قرون، وأنا أقول إن الخميني لم يقم سوى باسترجاع شفرة حادة، لكنها صدئة، يأتي معها بالتأكيد شكل من أشكال التعفن والتسمم)).

ولم يمر الكثير من الوقت على الثورة الإيرانية، حتى اندلعت الحرب العراقية الإيرانية على إثر التوترات التي نشبت بين البلدين عام 1980م، حيث بدأت الاشتباكات الحدودية المتقطعة بين الطرفين، ثم اتهمت حكومة بغداد إيران بقصف البلدات الحدودية العراقية معتبرة ذلك بداية للحرب، وكان ذلك إيذانا ببداية حرب استنزاف دامت ثمان سنوات، وفي خضم هذه الحرب، قدمت بعض الدول الدعم لإيران، في حين ظلت العراق وحيدة، إلى أن أعلن ملك الأردن، الملك حسين سنة 1982، عن إرسال فيالق من الجيش الأردني لدعم الجيش العراقي في حربه مع إيران.

وفي مؤتمر صحفي يوم 29 يناير 1982 بمدينة باريس، وتعليقا على الدعم الأردني للعراق، رد الحسن الثاني على السؤال التالي: “يا صاحب الجلالة، يعتزم جلالة الملك حسين عاهل الأردن التوجه على رأس تجريدة مؤلفة من عراقيين لقتال إيران، ما هي في رأيكم مخاطر التصعيد على مستوى المنطقة بأكملها؟”، أجاب الملك بالتالي: ((إن لرد فعل الملك حسين حوافز شتى: أولا، أعتقد أن الملك حسين إذا أقدم على الأمر الذي ذكرتموه، سيكون قد سد بذلك ثلمة، ففي الواقع، إن هناك تضامنا عربيا – وإن كانت إیران بلدا إسلاميا – وفي رأيي إن التضامن العربي لم يتبلور كما كان يجب إلى جانب العراق، وهذا في اعتقادي فيما يرجع لجلالة الملك الحسين، يكون تصحيحا يعني جميع المتقاعسين، فهناك من تقاعسوا فعلا وظلوا كذلك، أما عن التصعيد، فلا يمكن أن نقول التصعيد بخصوص تجريدة مؤلفة من بعض الفيالق، فنحن نعلم أن قوة غريبة عن إيران تقاتل إلى جانبهم، وحين أقول تقاتل لا أقصد أنها تحمل البندقية، ولكنها تقاتل بالدعم اللوجستيكي وبقطع الغيار التي تزودهم بها وبما تدفع لهم من سلاح، الأمر في نظري لا يعني تصعيدا، وإنما هو توضيح تكميلي للقوتين الموجودتين في هذا الصف أو ذاك)).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى