متابعات | ملتمس الرقابة.. فزاعة المعارضة لمواجهة الحكومة
قرر حزب الاتحاد الاشتراكي رفع درجة التفاعل في المشهد السياسي في مواجهة حكومة عزيز أخنوش وأغلبيتها، من خلال دعوة مكونات المعارضة البرلمانية إلى العمل على توفير شروط تقديم ملتمس رقابة بالنسبة لمجلس النواب، وتقديم ملتمس مساءلة الحكومة بمجلس المستشارين، وذلك ردا على محاولات الحكومة إفراغ المؤسسة التشريعية من محتواها وتعطيل أدوارها، في ظل تهرب رئيس الحكومة ووزرائها من جلسات المساءلة الشهرية والأسبوعية.
إعداد: خالد الغازي
بهذا الطرح السياسي، رمى حزب الاتحاد الاشتراكي بالكرة في ملعب المعارضة التي تعيش الانقسام والتباعد فيما بينها، من أجل تبني هذا الخيار السياسي والعمل عليه قصد مواجهة ما سماه التغول الحكومي على المؤسسات، وردا على محاولاتها إفراغ المؤسسة التشريعية من محتواها وتعطيل أدوارها، خاصة في ظل تهرب رئيس الحكومة ووزرائها من جلسات المساءلة الشهرية والأسبوعية.
فقد استغل الاتحاد الاشتراكي برئاسة إدريس لشكر، الوضعية الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها البلاد، والوضع المؤسساتي الذي طبع ما سماه التغول الحكومي، بعدما سعت مكونات الأغلبية على المستوى المركزي وفي الجهات والأقاليم إلى تكريس منطق الهيمنة والتحكم، لطرح مقترح ملتمس الرقابة قصد إحراج الحكومة وأغلبيتها، ووضعها في مسؤولية كبيرة أمام الرأي العام الوطني.
ويعد ملتمس الرقابة من أهم وأبرز الآليات السياسية التي يملكها البرلمان في مجال مراقبة العمل الحكومي، فهو أداة قانونية لإسقاط الحكومة، لكن رغم أنه خيار سياسي مقبول دستوريا، إلا أنه لم يحصل إلا مرتين فقط، خلال سنة 1964 وسنة 1990، الأولى كانت في 15 يونيو 1964 بمبادرة من فريق المعارضة البرلمانية “الاتحاد الوطني للقوات الشعبية”، ضد حكومة أحمد باحنيني، لكن الملتمس لم يصوت عليه سوى 60 نائبا من أصل 144، ثم المرة الثانية كانت في 14 ماي 1990، بمبادرة من المعارضة البرلمانية المتمثلة في حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية، ضد حكومة عز الدين العراقي، لكن هذا الملتمس بدوره لم يحصل على الأغلبية، حيث صوت لصالحه 82 نائبا مقابل 200 نائب.
ويظل تفعيل ملتمس الرقابة نادرا بسبب الشروط التعجيزية، حيث ينص الفصل 105 من دستور 2011، على إمكانية قيام مجلس النواب بمعارضة استمرار الحكومة في تحمل مسؤوليتها، بالتصويت على ملتمس للرقابة، ولا يقبل هذا الملتمس إلا إذا وقعه على الأقل خمس الأعضاء الذين يتألف منهم المجلس، ولا تصح الموافقة على ملتمس الرقابة من قبل مجلس النواب إلا بتصويت الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم، ولا يتم التصويت إلا بعد مضي ثلاثة أيام كاملة على إيداع الملتمس، وتؤدي الموافقة على ملتمس الرقابة إلى استقالة جماعية للحكومة، وإذا ما وقعت موافقة مجلس النواب على ملتمس الرقابة فلا يقبل بعد ذلك تقديم أي ملتمس رقابة أمامه طيلة السنة.
يقول امحمد الخليفة، الرئيس السابق للفريق الاستقلالي – في حوار سابق مع مجلة “زمان” (11 مارس 2020) – أن ملتمس الرقابة الذي قدمته المعارضة يوم 14 ماي 1990 في الجلسة العامة، كان بسبب السياسة اللاشعبية التي انتهجتها حكومة عز الدين العراقي في تلك الفترة، بعدما أقدمت على رفع الأسعار بشكل أدى إلى ضرب القدرة الشرائية وتدني مستوى معيشة المواطنين واستفحال البطالة، مضيفا أن هذا الملتمس كان له صدى عميق عند الملك الحسن الثاني وساهم في الانفراج الذي عرفه المغرب في التسعينات من القرن الماضي، بالقضاء على المعتقلات السرية، كتازمامارت وغيرها، وبعودة المنفيين قسرا لأسباب سياسية.

المحلل السياسي رشيد لزرق، رئيس مركز شمال إفريقيا للدراسات والأبحاث وتقييم السياسات العمومية، يرى أن ملتمس الرقابة سبق أن طرح في التجربة السياسية المغربية، ولكن لم يسبق أن تمت المصادقة عليه، على اعتبار أن هذا الملتمس لكي يطيح بالحكومة، يجب أن يصوت عليه الثلثان، ولا يمكن أن يتحقق إلا في حالة وجود اختلال داخل الحكومة، وطرحه في هذا التوقيت بالذات، حيث جاء قبل مؤتمري حزبي الأصالة والمعاصرة والاستقلال، والحديث عن التعديل الحكومي، جاء لخدمة عزيز أخنوش وحكومته أكثر ما هو في صالح المعارضة، مضيفا أن الفصل 105 من الدستور ينص على السماح لخمس أعضاء البرلمان بتقديم ملتمس الرقابة، ولا تصح الموافقة على هذا الملتمس من قبل مجلس النواب إلا بتصويت ثلثي أعضاء المجلس من بينهم نواب من الأغلبية، لأجل استقالة الحكومة.
واستبعد لزرق إعمال ملتمس الرقابة في هذه الظرفية، لكون هذا الخيار لا يمكن في ظل وجود أغلبية مريحة تساند الحكومة، وبالتالي، من الصعب تنفيذه في ظل التباعد الحاصل على مستوى مكونات المعارضة، قائلا: “الآن من الصعب تطبيق ملتمس الرقابة، بسبب تكتل الأغلبية، ويمكن للبرلمانيين داخل أحزاب الأغلبية أن يصوتوا ضد بقائهم في الحكومة، وهذه وجهة نظر، لكنها غير ممكنة حاليا، ويبقى طرح ملتمس الرقابة فرقعة إعلامية، وهي رسالة من إدريس لشكر للبقاء في المعارضة بشكل اضطراري”.
وأوضح نفس المتحدث، أن حزب الاتحاد الاشتراكي كان يرفض القيام بدور المعارضة، ويرغب في الدخول للحكومة، لذلك قام لشكر ببعثرة الأوراق وإبداء رغبته في الانضمام إليها، وبالتالي، عطل المعارضة وظل بدون معارضة، وكان أقرب من المساندة النقدية في السنتين الماضيتين للحكومة أكثر من ممارسة المعارضة، حيث كان يعارض حزب الأصالة والمعاصرة أكثر من معارضة الحكومة، معتبرا أن المشهد السياسي الحالي يبرز وضوحا إيديولوجيا على اعتبار أن الحكومة ليبرالية، والمعارضة مقسمة بين الأحزاب اليسارية التي كان عليها تأسيس قطب يساري معارض، وأحزاب يمينية محافظة.
وأضاف المتحدث ذاته، أن “ملتمس الرقابة هو محاولة لجر حزب العدالة والتنمية ليكون في التنسيق مع المعارضة، والحال أن مدونة الأسرة ستسفر لنا عن ثلاثة أقطاب، وبالتالي، فإن تنسيق الاتحاد الاشتراكي مع التقدم والاشتراكية هو تنسيق اضطراري، على اعتبار أن حزب الكتاب سوف يجد حرجا إيديولوجيا إبان طرح مقترح مدونة الأسرة، والحال أن هذه المعارضة هي سبب الجمود السياسي وسبب استمرار حكومة عزيز أخنوش، لأن المعارضة لم تمارس دورها، وبالتالي، تمرد إدريس لشكر على هذه المعارضة تحت مبرر رغبات شخصية، ورغبة جامحة في الدخول للحكومة بأي ثمن كغاية وليس كوسيلة”.
إن تفعيل ملتمس الرقابة يحتاج إلى النصاب الدستوري، المتمثل في التوقيع عليه من طرف خمس أعضاء مجلس النواب على الأقل، ومن أجل الإطاحة بالحكومة، يتعين تحقيق النصاب الدستوري المطلوب، وهو الأغلبية المطلقة لأعضاء مجلس النواب، وإلى جانب ملتمس الرقابة توجد آلية أخرى متمثلة في “طرح الثقة” التي تكون بمبادرة من رئيس الحكومة استنادا إلى الفصل 103 من الدستور، والتي قد تسفر عن سحب الثقة من الحكومة في حال عدم التصويت عليها من قبل أعضاء مجلس النواب، والحقيقة أنه لم يسبق أن جرى استخدام خياري سحب الثقة أو ملتمس الرقابة المنصوص عليهما في دستور 2011 مطلقا، سواء ضد حكومة عبد الإله بن كيران أو حكومة سعد الدين العثماني، رغم محاولة فريق الأصالة والمعاصرة وبعض مكونات حزب الاستقلال اللجوء لملتمس الرقابة في عهد شباط، إلا أن دعوتهم لم تلق أي تجاوب من قبل أحزاب أخرى لا في المعارضة ولا في الأغلبية.
في هذا الصدد، يؤكد المحلل السياسي والأستاذ الجامعي العمراني بوخبزة، أن طرح ملتمس الرقابة في الفترة الحالية يرمي إلى أهداف مختلفة: أولا لإحراج الحكومة، لكونه أداة سياسية قصد إحراجها أمام الرأي العام، رغم أنه لا يمكن الوصول عبره لإسقاط الحكومة، وجاء بمبادرة من المعارضة التي عليها أن تتوفر على خمس أعضاء مجلس النواب قصد تفعيل هذا الخيار، لكن المعارضة الحالية من الصعب أن تصل إلى هذا العدد في ظل الخلافات الحاصلة بين مكوناتها، خاصة خلاف الاتحاد الاشتراكي مع المكونات اليسارية وعلاقته غير المنسجمة مع بعض فرق المعارضة، مشيرا إلى أن الاتحاد لديه علاقات متوترة مع أطراف أخرى، مما يجعل مبادرته صعبة ومعقدة لعدم قدرته على الوصول للعدد المطلوب لتفعيل قرار “ملتمس الرقابة”.
وأضاف بوخبزة، أن الهدف الثاني من وراء ملتمس الرقابة هو إسقاط الحكومة والوصول إلى هذا المبتغى، إلا أن هناك الكثير من الاعتبارات السياسية لتحقيق ذلك الهدف، من أهمها موقف الملك، ثم الرأي العام، وأمور أخرى تدخل في شأن إجراء إسقاط الحكومة، من أبرزها استقرار المؤسسات، والتي تعتبر من بين أهم القرارات التي تعتمدها الدولة، لأجل أن يتم منح الوقت الكافي خلال مرحلة المشاورات لتشكيل الحكومة وإجراء الاتصالات واللقاءات بين مختلف الأحزاب بهدف تكوين حكومة مستقرة وقوية لضمان استمراريتها، وتكوين أغلبية منسجمة ومتماسكة لا يمكن أن تسقط، مبرزا أن العامل الآخر الذي يجب أن يتوفر من أجل إنجاح ملتمس الرقابة، هو وجود خلافات داخل الحكومة أو مناوشات بين الأحزاب الثلاثة المشكلة للتحالف، وهذا أمر غير وارد في هذه الحالة.
وأشار نفس المتحدث إلى أن مبادرة 1963 من قبل المعارضة البرلمانية، كانت قوية، واستطاعت استقطاب أعضاء بعض الأحزاب السياسية في الحكومة، لكون المعارضة كانت تتوفر على مشروع مجتمعي قوي، ونالت ثقة النواب للضغط على الحكومة، بينما المعارضة الحالية لا تتوفر على مشروع مجتمعي ومن الصعب عليها تفعيل ملتمس الرقابة.
من جهته، اعتبر الباحث والمحلل السياسي بلال التليدي، أن إدريس لشكر، الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي، اختار توقيتا دقيقا يجري فيه الحديث عن إمكانية حصول تعديل حكومي، لذلك فهو يتحدث عن نقطتين أساسيتين: النقطة الأولى، تغول الحكومة على المؤسسات الدستورية، ليعطي الانطباع ورغبته في ممارسة نوع من الضغط السياسي على رئيس الحكومة، من أجل أن يأخذ بعين الاعتبار مطلب الاتحاد الاشتراكي للدخول إلى الحكومة، خاصة وأنه لطالما كان يتحدث عن مظلمة حصلت لحزبه، كونه كان سببا فيما وصل إليه حزب الأحرار اليوم، منذ فترة “البلوكاج” الحكومي الذي راح ضحيته رئيس الحكومة المعين عبد الاله بن كيران، ولعب الاتحاد الاشتراكي دورا كبيرا في مساعدة حزب الأحرار في الوصول إلى هذه النتيجة.
وأضاف التليدي، أن مطلب ملتمس الرقابة ارتبط بزخم سياسي كبير قامت به الكتلة الديمقراطية، التي كانت بصدد الإعداد للتناوب الديمقراطي، بمعنى أنه جاء من جبهة مكونة من عدة مكونات تضم مكونات تضم أحزابا للمعارضة، التي تحمل تقديرا موحدا وتشخيصا مشتركا للوضعية السياسية بالبلاد، موضحا أن ملتمس الرقابة كان له دفع كبير نحو تسريع وتيرة سيناريو حكومة التناوب، عندما كان رئيسا فريقي الاتحاد الاشتراكي والاستقلال، فتح الله ولعلو وامحمد الخليفة، وراء الملتمس الذي لم ينجح، لكن كان له أثر سياسي كبير جدا، وهيأ الشروط السياسية لطرح سيناريو التناوب.
وحسب التليدي، فإن الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي خرج للتعبير عن مواقفه بشكل فردي دون أن يراعي مذكرة التفاهم التي وقعها مع حزب التقدم والاشتراكية، وكان عليه من باب الاحترام السياسي، أن يتم الاشتغال على هذه المبادرة بين فضاء المعارضة، أو على الأقل للتنسيق مع الحزب الذي أبرم معه مذكرة تفاهم، وأن يعمل على توسيع هذه المبادرة ويذيب الحواجز والخلافات التي تمنع انضمام حزب العدالة والتنمية، وبعد ذلك، تنضج الشروط للقيام بفعل سياسي مشترك يمثل المعارضة السياسية، مشيرا إلى أن لشكر يمارس الضغط السياسي بورقة تغول رئاسة الحكومة على المؤسسات الدستورية، وورقة ملتمس الرقابة الذي يعد مجرد فرقعة إعلامية لا يمكن أن يكون لها صدى، فهذا الحزب لا يستطيع أن يؤدي المعارضة، فضلا عن أنه لا يملك قدرة عددية وسياسية تمكنه من قلب موازين القوى لصالحه.



