المنبر الحر

الرأي | سلوكيات الجماهير حسب علم النفس الاجتماعي

بقلم: جميلة حلبي

    كانت سنة 1895 فارقة في علم النفس الاجتماعي عندما أصدر الكاتب الفرنسي غوستاف لوبون كتاب “سيكولوجية الجماهير”، وهو المؤلف الذي يصلح لكل مكان وزمان، ولطالما اتخذه السياسيون والعلماء وأطباء النفس مرجعا لفهم حالات الأفراد والجماعات، وهو الذي عرف الجمهور بأنه “تجمع لمجموعة من الأفراد، أيا كانت هويتهم”، ولكن من وجهة النظر النفسية، فـ”في بعض الظروف المعينة، يمكن لتكتل من البشر أن يمتلك خصائص جديدة تختلف عن خصائص كل فرد، عندئذ تتشكل روح جماعية عابرة ومؤقتة”، وهو ما سماه لوبون: “الجمهور المنظم، أو الجمهور النفسي”، الذي يصبح خاضعا لقانون “الوحدة العقلية للجماهير”.

من هذا المنطلق، أمكننا فهم تحركات جماهير كرة القدم – مثلا – وأمكننا فهم المستوى العالي من التشجيع الذي أدركته الجماهير المغربية، من مونديال قطر وإلى كأس إفريقيا.. والتي أبانت عن نضج ووعي كبير بالمسؤولية، والأمر لا يختلف عن جماهير أخرى، تحركها نفس الدوافع والرغبة في التعبير عن مكنونات.. ما كان لها أن تخرج من دواخل البشر لولا تنظيمها في مجموعات، حيث لا يمكن للفرد التعبير عما يخالجه لو كان بمفرده، لذلك فالجمهور هو وحدة من كل، وكل في وحدة.. يطبعها في بعض الأحيان التنظيم، سواء في التشجيع أو الاحتجاج، وهذا ما يسمى الجمهور الواعي، وفي أحيان أخرى، تتسم الجماهير بالتشتت والارتجال في التعبير، وهذا ما ينتج عنه الشغب، الذي يخرج عن السيطرة كلما حاول المسؤولون عن التنظيم التدخل (الأمن أو ما شابه…)، وهذا ما عبر عنه غوستاف لوبون في كتابه المذكور بأنه “من الخصائص النفسية للجماهير، تلاشي الشخصية الواعية وهيمنة الشخصية اللاواعية، وتوجه الجميع ضمن نفس الخط بواسطة التحريض والعدوى للعواطف والأفكار، والميل لتحويل الأفكار المحرض عليها إلى فعل وممارسة مباشرة”، وكمثال على ذلك، ما وصل إليه الشعب الجزائري من حقد تجاه المغاربة – وهنا لا نعمم – حيث يلجأ الحكام إلى شحذ الجماهير وتأليبها ضد “العدو” (الشعب الآخر أو الدولة الأخرى) بالنسبة لهم، مستخدمين الجماهير التي تطلق العنان للانتقادات والسباب والشتائم، وإلصاق تهم جاهزة من قبل هؤلاء الحكام، وانتقلت العدوى إلى الإعلام الجزائري، الذي لا يفتأ يُجرِّح في كل ما هو مغربي.. حتى أصبح مصطلح “المغرب” مرضا مزمنا أصاب الجزائريين في خلايا أدمغتهم، وأصبح مرضا عضالا لا شفاء منه، والسبب أن حكام البلد الجار، بدل أن يلتجؤوا إلى الوسائل الدبلوماسية لحل المشاكل السياسية، أقحموا الجماهير لما لها من دور مؤثر..

هذا من حيث الجانب السلبي لاستغلال نفسية الجماهير وتحريكها نحو الهدف المنشود، بالمقابل، هناك الجانب الإيجابي للجماهير كوحدة في استطاعتها تغيير صورة بلد بأكمله، ولعب دور في سياسة البلد وتوجيهها، على سبيل المثال لا الحصر، تحول كل جماهير كرة القدم العربية على اختلاف بلدانها، لتشجيع فريق عربي عندما يلعب مع بلد غير عربي، وهذا بدافع العرق، حيث يتحكم الانتماء العرقي في تحريك دواخل الإنسان، هذا الإنسان الذي بطبعه يميل إلى كل ما يشبهه، على حساب الآخر، وهذه ليس عنصرية وإنما نزعة نفسية تنطلق من الأنا لتتبلور عبر التشجيع في إطار الجماعة، الجماعة التي تبحث دوما عن متنفس تخرج فيه ما يعتصرها من آلام وآمال.. عقلها الباطني يدفعها للبحث عن مناسبة للتعبير بكل حرية، والكل شاهد كيف شجعت كل البلدان العربية والدول الإسلامية، المنتخب الوطني في مونديال قطر.

تتمة المقال تحت الإعلان

ومن جانب آخر، هناك نوع من الجمهور ينتقد كل شيء وأي كان.. لا لشيء إلا لأنه يختلف مع الآخر، وهذا الجمهور غير واع، أو أنه مدفوع من طرف آخرين، وهذا النوع ظهر في السنوات الأخيرة من وراء وسائل التواصل الاجتماعي، التي أبانت عن جماهير غير ناضجة في كثير من الحالات، فالجماهير التي تنتقد فريقا لكرة القدم عندما ينهزم هي الجماهير التي تنتقد ملابس فنانين أو مقدمي برامج، ثم تنتقد برلمانيا، وبعد ذلك تنتقد سياسيا، وهكذا دواليك.. وهذه الجماهير تشكل خطورة على المجتمع من الناحية الفكرية، لأنه يمكن توظيفها في الاحتجاجات كما في التشجيع، وأيضا يستغلها السياسيون في الحملات الانتخابية.

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى