تحليل إخباري | أخطبوط الفساد وأموال المخدرات تقتل الأحزاب الوطنية
لعبة سياسية بلا رهان

يتهافت متتبعو الأخبار ذات المصداقية ورواد مواقع التواصل الاجتماعي، ومتابعي وصناع المحتويات التافهة والجادة على حد سواء، على تداول لائحة مزعومة لتعديل حكومي مزعوم، والخطير في الأمر، أن نفس اللائحة المصاغة بطريقة احترافية، وإن كانت مزورة، إلا أنها لقيت رواجا حتى داخل الأحزاب السياسية، وأكثر من ذلك، فقد أشارت إلى أسماء بعينها يمكنها أن تلتحق بقافلة المستوزرين، وهو ما خلق الجدل حتى داخل أحزاب الأغلبية نفسها، كما هو الحال بالنسبة لحزب الاستقلال، الذي عطل عمل كافة أجهزته ليحافظ على استقراره، رغم تجاوز لجنته التنفيذية مدة صلاحيتها القانونية(..).
إعداد: سعيد الريحاني
الأصل، أن كل تعديل حكومي ينبع من داخل الحزب، وفي حالة حزب الاستقلال، فقد تم ترويج اسم القياديين خديجة الزومي ونور الدين مضيان وعبد الصمد قيوح كوزراء مفترضين.. وإذا كان من الممكن تفهم سكوت المعنيين بالأمر على هذا التداول نظرا لأحلامهم في الوزارة، فإن سكوت الحزب ودخوله في حالة ارتباك داخلي، يطرح أكثر من علامة استفهام، والدليل على ذلك يكمن في تصريحات برلمانيين من الحزب.
في هذا الصدد، قال عبد المجيد الفاسي، وهو نجل واحد من أحسن الوزراء الأولين في تاريخ المغرب، ومقرب من الأمين العام نزار البركة، وبالتالي فهو يعرف جيدا أسرار الحزب وحقيقة اللائحة(..)، قال: ((إن لائحة التعديل الحكومي التي راجت في الأيام القليلة الماضية على تطبيقات التراسل الفوري ومواقع التواصل الاجتماعي، انتشرت بشكل فظيع، والجميع تداولها رغم أنها غير صحيحة، وأوضح الفاسي، أن هذه اللائحة بالرغم من عدم معرفة مصدرها، كما أنها لم تصدر عن وكالة الأنباء الرسمية، إلا أن جزء كبيرا من الناس ظنوا أنها صحيحة، مضيفا أنه حتى عندما تقول بأنها غير صحيحة، يخرج البعض ليقول إنها تسريبات لإعداد المواطنين لتقبل الأسماء الواردة فيها)) (المصدر: موقع العمق المغربي).
هكذا تحول فاعل سياسي من وضع القوة في مواجهة إشاعة تستهدف حزبه، إلى متأثر بمواقع التواصل الاجتماعي أمام صمت وغياب الأجهزة الحزبية، حيث أن حزب الاستقلال عطل كل التحضيرات المؤدية إلى المؤتمر بسبب شبح حمدي ولد الرشيد، الذي يمكن أن يقلب موازين “الميزان” لصالح المقربين منه، عند أي محطة تنظيمية(..).
و((لم يتمكن الاستقلاليون من الاتفاق على تحديد موعد نهائي لعقد المؤتمر العام الثامن عشر، الذي شهد تأخرا بسبب الصراع بين تیار نزار البركة أمين عام الاستقلال، وتيار ولد الرشيد، القطب الصحراوي القوي، وتعدد ليعمم بين قادة التيار الواحد، ومن بين هؤلاء شخصيات ترغب في الاستوزار، لأنها تعتبر أنها الفرصة الأخيرة المتاحة لها للجلوس على كرسي الوزارة، حسب ما تؤكده جل وسائل الإعلام)) (المصدر: جريدة “الصباح” وموقع 360).
نفس المصادر التي تتفق معها أغلب التعبيرات الإعلامية في هذا الموضوع بالضبط، أكدت أن ((قادة التيارين والبرلمانيين لم يتمكنوا من عقد لقاء خاص لتحديد موعد المؤتمر، خوفا من تفجير الحزب والحكومة معا، وانتظروا حدوث التعديل الحكومي الذي قد يغير من موازين القوى، دون جدوى، فملوا من الانتظار، مضيفة أن بعض القادة المحسوبين على تيار البركة، انتقدوا غياب دعمه لهم بالدفاع عن أحقيتهم في تولي مناصب عليا بحكم علاقته الطيبة مع كبار المسؤولين في الدولة، لتقوية نفوذهم في مواجهة التيار المنافس الذي تقوى)) (نفس المصدر).
هكذا إذن، تحول التعديل الحكومي من شأن وطني إلى تحدي داخلي داخل حزب الاستقلال، حيث بات معولا عليه لإخراج التنظيم من حالة الجمود، والواقع أن كل حزب يجب أن يشهد ديناميته الخاصة، التي تمكنه من اجتياز الصعاب التنظيمية، وليس تعطيل الحركية التنظيمية لمواجهة خلل تنظيمي.
إن الوضع الحزبي بالنسبة لأحزاب الأغلبية، على الخصوص، بات يطرح الكثير من الأسئلة، فالوضع داخل حزب الأصالة والمعاصرة لا يقل شأنا عما يقع داخل حزب الاستقلال، لا سيما بعدما ارتبط هو الآخر بخرجات طائشة لأمينه العام عبد اللطيف وهبي، ما جعله مرشحا لمغادرة الأمانة العامة في أي لحظة، وليس هذا فقط، فقد جاءت قضية “إسكوبار الصحراء”، التي اعتقل بمقتضاها قياديان في الحزب، لتعمق من الأزمة التنظيمية، ما جعل جميع التكهنات تسير في اتجاه توقع تأجيل مؤتمر الحزب الذي كان من المفترض أن ينعقد خلال شهر فبراير 2024، كما أن جل القياديين المعروفين في الحزب فضلوا السكوت.. مقابل خروج أسماء غير معروفة للتبرير(..).
إن مشكلة الأحزاب السياسية الوطنية، التي تنتج عنها الحكومة والبرلمان(..)، لم تعد مشكلة نخبوية فقط، بل إنها أصبحت قضية ملك وشعب.. فقد انضافت التوجيهات الملكية التي تزامنت مع الذكرى 60 لتأسيس أول برلمان في المغرب إلى المطالب الشعبية من حيث ضرورة تجويد النخب، وتخليق المشهد السياسي، والسماح بمكانة أكبر للشباب والنساء للولوج إلى داخل المنظومة السياسية.
قال الملك محمد السادس مخاطبا البرلمانيين: ((حقق العمل البرلماني وديمقراطية المؤسسات التمثيلية نضجا كبيرا.. إلا أنه بالرغم مما تم تحقيقه في هذا المجال، فإنه ينبغي مضاعفة الجهود للارتقاء بالديمقراطية التمثيلية المؤسساتية إلى المستوى الذي نريده لها، والذي يشرف المغرب.. ولعل من أبرز التحديات التي ينبغي رفعها للسمو بالعمل البرلماني، نذكر على سبيل المثال، ضرورة تغليب المصالح العليا للوطن والمواطنين على غيرها من الحسابات الحزبية)).
رسالة الملك محمد السادس كانت واضحة فيما يتعلق بالصراع الحزبي، العشوائي، الذي لا ينبغي أن يحجب المصلحة العامة للمواطنين، والمعنيون بذلك يعرفون أنفسهم، كما أن المواطنين يعرفونهم.. لكن الملك محمد السادس لم يقف عند هذا الحد، بل تجاوزه إلى الحديث عن “الأخلاقيات”، حيث دعا إلى ((تخليق الحياة البرلمانية، من خلال إقرار مدونة للأخلاقيات في المؤسسة التشريعية بمجلسيها تكون ذات طابع قانوني ملزم، وتحقيق الانسجام بين ممارسة الديمقراطية التمثيلية والديمقراطية التشاركية، فضلا عن العمل على الرفع من جودة النخب البرلمانية والمنتخبة، وتعزيز ولوج النساء والشباب بشكل أكبر إلى المؤسسات التمثيلية)) (المصدر: رسالة الملك محمد السادس إلى المشاركين في الندوة الوطنية المخلدة للذكرى الستين لإحداث البرلمان المغربي).
إن موت الأحزاب السياسية أو تحويل المشهد السياسي لمقبرة من الأشباح والمناضلين المصنوعين على مقاس خدمة الزعيم، ومناضلين تحت الطلب، أو الاكتفاء بمجموعة من الانتهازيين المتسلقين والمتملقين(..)، لن يتسبب في تخريب الأحزاب فقط، بل إنه قد ينطوي على خطورة تهدد البلاد ككل، وكل مواطن غيور لا يمكنه السكوت عن هذه المهزلة المفروضة(..).
إن ((نسف المغرب لا يحتاج إلى صواريخ “بولافا” أو “كروز” أو “توماهاوك”.. نسف المغرب لا يحتاج إلى ترسانة من الصواريخ ذات الرؤوس النووية أو البيولوجية أو الكيماوية.. نسف المغرب لا يحتاج إلى طائرات مقاتلة من نوع “سوخوي” أو “بي 52” أو “إف 16” لقنبلة المدن والسدود والبنية التحتية والقواعد الاستراتيجية.. لا، لنسف المغرب نحتاج فقط إلى أحزاب المخدرات وأحزاب تبييض الأموال، وأحزاب تزكية أعداء المصلحة العامة وتزكية زعماء المافيا وناهبي المال العام.. فأحزاب المخدرات وأحزاب تبييض الأموال، وأحزاب تزكية الخونة.. هي الجسر الذي يتسلل منه الفيروس للمؤسسات الدستورية: حكومة وبرلمانا ومجالس ترابية، وهذا الفيروس يتسرطن ويزكي بدوره العملاء ومصاصي الدماء في المناصب العمومية، ويصدر القوانين والنصوص التي تتماشى مع مصالح حاملي الفيروس ضدا على مصلحة البلاد والعباد، ويتم التلاعب بالبرامج والتصورات الواردة في السياسة العمومية، كما يتم التلاعب بالصفقات وبالمال العام، فيتم نخر المغرب من الداخل ونسفه على يد أحزاب المخدرات وأحزاب سرقة المال العام، وبالتالي، تزداد حدة البؤس والهشاشة والفقر والحرمان بالمغرب، ويتدحرج المغرب في سلم التنمية على المستوى الأممي.. المملكة امتلأت عن آخرها بممثلي أحزاب المخدرات وأحزاب نهب المال العام !)) (المصدر: تعليق الصحافي عبد الرحيم أريري).
إن فساد “النخبة السياسية” الذي يكرس العزوف والغضب الشعبي، ليس وليد اليوم، بل إن نفس المواضيع طرحت بالأمس حول فساد النخبة، قبل إجراء الانتخابات التشريعية الثلاث الأخيرة، والنموذج من تصريحات حسن طارق، واحد من النشطاء السياسيين، الذي فرض عليه التزامه الدبلوماسي في السنوات الأخيرة، السكوت حتى إشعار آخر..
فقد ((“ألقى النائب البرلماني عن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، حسن طارق، باللائمة في استشراء الفساد الانتخابي على النخب السياسية المغربية، محملا إياها النصيب الأكبر من المسؤولية، لأنها (النخب) هي التي يمكن أن تساهم في تطوير الوضع العام نحو الأفضل، أو تنزل به إلى الأسفل”، وبلهجة حادة قال طارق: “كلما اتجهنا من المجتمع صوب النخب، إلا وتتقوى مؤشرات الفساد”، وضرب مثلا بالانتخابات غير المباشرة، قائلا: “إنها تعرف فسادا أكبر بكثير مقارنة مع ذلك الذي تشهده الانتخابات المباشرة، وذهب طارق إلى أن التصويت السياسي في الانتخابات غير المباشرة منعدم تماما”..
وبلغة الخبير بما يجري داخل المطبخ الانتخابي، قال أستاذ العلوم السياسية بجامعة الحسن الأول بسطات: “إن تعقد إشكالية الفساد السياسي في الظاهرة الانتخابية يجعل محاصرته بآليات قانونية صعبا، كونها ذات طبيعة سوسيولوجية، ويكاد يكون ثقافة لتمثل الفاعلين السياسيين للعملية الانتخابية”، وفق تعبيره، وذهب طارق إلى القول: “إن هناك مفارقة غريبة في المشهد السياسي المغربي راهنا، تتمثل في أنه في الوقت الذي صار هناك عرض سياسي، بعد ثورات الربيع العربي التي أفرزت دستور 2011 وأعادت الحياة إلى المجال السياسي، وأعادت التنافسية إلى العملية الانتخابية، تدنت نسبة التسييس”..
وقارن المتحدث بين الحياة السياسية في الوقت الراهن، وما كان عليه الأمر خلال الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، وخلص إلى أن الانتخابات وقتها، ورغم أنها كانت بلا رهانات، لتمركز القرار كله في يد المؤسسة الملكية، إلا أن المعارضة كانت لها القدرة على جعل الانتخابات لحظة قوية وبؤرة للتدافع والصراع السياسي)) (المصدر: تعليق حسن طارق/ هسبريس 2014).



