تحليلات أسبوعية

تحليل إخباري | هل يعجل مشروع “تخليق النخب” برجة سياسية في الأحزاب والبرلمان ؟

الملك محمد السادس يطرح سؤال المرحلة

إعداد: سعيد الريحاني

    لم يكن الملك الراحل الحسن الثاني، الذي حكم البلاد لأربعة عقود، يرتاح للفكر الليبرالي، كما لم يكن يرتاح لرمي الكرة دائما في ملعب الدولة، لذلك كان يخاطب نواب الأمة قائلا: ((عليكم أن تعلموا حفظكم الله أن خاتم سليمان لا يوجد بيد من يقول بأن الدولة يجب عليها أن تقوم بكل شيء، ولا بيد من يقول بأن الليبرالية العشوائية هي مفتاح كل شيء، بل يجب علينا أن نكون مرنين في هذا الباب، وأن نكون يقظين في هذا المضمار، وأن نكون واقعيين، وأن نمزج عند الاقتضاء هذا بذاك، لأنه لا ديماغوجية في هذا الباب ولا منهجية إلا أن نعلم أننا في المغرب))، كما كان الحسن الثاني أحد خصوم “الترحال الحزبي”، ورغم كل شيء.. فقد كان يحذر من تشتيت الأحزاب السياسية، فيقول: ((أرجو منكم، وبإلحاح، حضرات النواب والمستشارين، بعدما يتم انتخاب رئيسي ومكتبي المجلسين، ألا تتنقلوا من فريق إلى فريق، ومن مجموعة إلى مجموعة.. فإذا كان حق التنقل حقا مضمونا بالدستور، فمثل هذا العمل بين الفرق البرلمانية من شأنه أن يشتت عاجلا أو قريبا من العاجل، كيانات الأحزاب السياسية الموجودة في البرلمان كيفما كانت، وكيفما سميت، ولا أخطر على الديمقراطية من الإفراط في سوء استعمال الديمقراطية)) (المصدر: خطاب المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني بمناسبة افتتاح السنة التشريعية 1997-1998).

هكذا كان الملك الحسن الثاني، بمثابة ضمير لنواب الأمة.. يتدخل في الحالات التي يمكن فيها للممارسة أن تنحرف عن الأهداف المنشودة، وها هو الملك محمد السادس يسير على خطى والده، ليدعو البرلمانيين إلى ضرورة “تغليب المصلحة العليا للوطن والمواطنين”، وإشهار مصلحة الوطن من طرف الملكية لا يكون إلا في اللحظات الحاسمة(..).

تتمة المقال تحت الإعلان

يقول الملك محمد السادس مخاطبا البرلمانيين يوم الأربعاء المنصرم: ((حقق العمل البرلماني وديمقراطية المؤسسات التمثيلية نضجا كبيرا.. إلا أنه بالرغم مما تم تحقيقه في هذا المجال، فإنه ينبغي مضاعفة الجهود للارتقاء بالديمقراطية التمثيلية المؤسساتية إلى المستوى الذي نريده لها، والذي يشرف المغرب.. ولعل من أبرز التحديات التي ينبغي رفعها للسمو بالعمل البرلماني، نذكر على سبيل المثال، ضرورة تغليب المصالح العليا للوطن والمواطنين على غيرها من الحسابات الحزبية)).

رسالة الملك محمد السادس كانت واضحة فيما يتعلق بالصراع الحزبي، العشوائي، الذي لا ينبغي أن يحجب المصلحة العامة للمواطنين، والمعنيون بذلك يعرفون أنفسهم، كما أن المواطنين يعرفونهم.. لكن الملك محمد السادس لم يقف عند هذا الحد، بل تجاوزه إلى الحديث عن “الأخلاقيات”، حيث دعا إلى ((تخليق الحياة البرلمانية، من خلال إقرار مدونة للأخلاقيات في المؤسسة التشريعية بمجلسيها تكون ذات طابع قانوني ملزم، وتحقيق الانسجام بين ممارسة الديمقراطية التمثيلية والديمقراطية التشاركية، فضلا عن العمل على الرفع من جودة النخب البرلمانية والمنتخبة، وتعزيز ولوج النساء والشباب بشكل أكبر إلى المؤسسات التمثيلية)) (المصدر: رسالة الملك محمد السادس إلى المشاركين في الندوة الوطنية المخلدة للذكرى الستين لإحداث البرلمان المغربي).

المشكلة إذن، معروفة لدى الملك والشعب، وهي “إشكالية تجويد النخب”، والواقع أن أبرز ملاحظة يمكن ملاحظتها في الذكرى 60 لتأسيس البرلمان المغربي، هي غياب النواب، سواء من مجلس النواب أو مجلس المستشارين.. فبينما كان يفترض أن يحضر المئات، لم يتجاوز الحضور العشرات، والتفسير الأقرب إلى المنطق لهذا الغياب، هو “الخوف”، الناتج عن “الحملة التطهيرية التي تشنها مؤسسات الدولة” ضد المشبوهين.. سواء تعلق الأمر بقضية “إسكوبار الصحراء”، أو “التقارير الصادرة عن المجلس الأعلى للحسابات” مع ما يوازيها من تحقيقات قضائية..

تتمة المقال تحت الإعلان

تصوروا أن فريقا برلمانيا بات يضم أكثر من 10 نواب كلهم يتناوبون على الحضور لمقر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية.. في جميع الفرق البرلمانية، وفي جميع الأحزاب، هنالك متهمين، تتراوح تهمهم بين إساءة التدبير وإهدار أموال عامة والاختلاس.. وحدث ولا حرج عن أصحاب الملايير المشبوهة، من مقاولين ورجال أعمال.. هكذا إذن، يظهر أن سؤال الأخلاق السياسية الذي طرح في وقت سابق بالمغرب، قد عاد ليحجز مكانه ضمن أسئلة المستقبل بالنسبة للبلاد، ذلك أن “الفساد” يمكنه بناء ثروة، لكن لا يمكنه – بأي حال من الأحوال – بناء وطن.

لمعرفة حجم الخطر الذي يشكله الفساد في بلادنا على المال العام، ومعلوم أن من يسرق المال العام لا يمكن أن يصلح لتسيير الشأن العام(..)، يكفي الاطلاع على عدد القضايا الرائجة أمام المحاكم فيما يتعلق بـ”بتخليق الحياة العامة وحماية المال العام”.. ((فقد مكن إحداث آلية الخط المباشر الذي وضعته رئاسة النيابة العامة للتواصل مع عموم المواطنين للتبليغ عن جرائم الرشوة والفساد، خلال سنة 2023، من ضبط 56 مشتبها فيه في حالة تلبس بالرشوة، مقابل 38 حالة خلال سنة 2022، ليصل بذلك العدد الإجمالي للأشخاص الذين تم ضبطهم منذ شهر ماي 2018، تاريخ انطلاق العمل به، ما مجموعه 299 شخصا، وذلك إلى غاية نهاية دجنبر من سنة 2023، كما توصلت رئاسة النيابة العامة خلال سنة 2023 بـ 14 تقريرا من المجلس الأعلى للحسابات مقابل 6 تقارير خلال سنة 2022 تمت إحالتها على النيابات العامة المختصة قصد فتح الأبحاث اللازمة بشأنها، كما تم التوصل أيضا خلال سنة 2023 بأربعة تقارير من المفتشيات المركزية ببعض الوزارات وبعض المؤسسات العمومية.. ومن نتائج هذه الإجراءات، تم تسجيل 138 قضية رائجة أمام قضاء التحقيق و374 قضية رائجة أمام قضاء الحكم بأقسام الجرائم المالية الأربع بكل من الدار البيضاء، الرباط، فاس ومراكش، هذا فضلا عن فتح أبحاث قضائية وترتيب الأثار القانونية بشأن ما يزيد عن 243 شكاية ووشاية تم التوصل بها من طرف أشخاص وهيئات من المجتمع المدني تصب في نفس الاتجاه)) (المصدر: تصريح الحسن الداكي، الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض رئيس النيابة العامة بمناسبة افتتاح السنة القضائية).

تتمة المقال تحت الإعلان

ولا يمكن الحديث عن استشراء الفساد في المجتمع، وهو نفسه الفساد الذي ينتقل للأحزاب والعمل السياسي في غياب “الأخلاق السياسية” و”العنصر الرادع”، دون الحديث عن تفشي ظاهرة غسيل الأموال.. ((فقد عرف هذا النوع من القضايا ارتفاعا ملحوظا خلال السنتين الأخيرتين، حيث وصل عدد إحالات النيابة العامة بشأن شبهة غسل الأموال خلال سنتي 2022 و2023، ما مجموعه 1735 إحالة)) (نفس المصدر).

إن خطورة غسيل الأموال تكمن في امتداد أثرها إلى المجال السياسي، والمجال الاقتصادي، إذ ((يعرف غسيل الأموال، أو ما يطلق عليه مسمى “تبييض الأموال” بأنها عملية تحويل كميات كبيرة من الأموال التي تم الحصول عليها بطرق غير قانونية إلى أموال نظيفة وقابلة للتداول في النشاطات العامة، ويعرف غسيل الأموال أيضا، بأنه طريقة تستخدم لإخفاء وتغطية المصادر التي يتم من خلالها كسب الأموال، من خلال استخدام وسائل استثمار غير مشروعة، ومن ثم تستثمر أرباحها في نشاطات مشروعة وقانونية، وتنتج عن جريمة غسل الأموال مجموعة من الأثار السلبية التي تؤثر على المصلحة العامة للدولة من الناحية الاقتصادية، مما يؤدي إلى تراجع التنمية الاقتصادية والاستثمارات المالية، الأمر الذي يؤثر سلبا على قيمة العملات المحلية مقارنة بالعملات الأجنبية، كما تؤثر جريمة غسل الأموال على المصلحة العامة للدولة من الناحية السياسية، لما تسببه من تهديد للاستقرار السياسي، وتؤدي إلى نشر الفساد السياسي من خلال الاستعانة بغسل الأموال ونشره ضمن القطاع الحكومي في الدول..

إن جريمة غسل الأموال وأثرها على المصلحة العامة، بالإضافة إلى الإضرار بالمصلحة العامة من الناحية الاجتماعية لما قد تسببه من نشر تجارة المخدرات، ينتج عن ذلك تدمير كبير في البنية الأساسية للمجتمع، وتسعى الكثير من دول العالم إلى مكافحة غسل الأموال بكل الطرق والوسائل المتاحة والممكنة لحماية المصلحة العامة للدولة)) (المصدر: بحث جامعي / رباب مصطفى عبد المنعم الحكيم/ جامعة الأزهر).

تتمة المقال تحت الإعلان

سواء تعلق الأمر بالبرلمان، أو الحكومة، أو الأحزاب السياسية، أو المجتمع المدني، فإن ضرورة تنظيف البيوت من الداخل تقتضي إعمال طريقة “الماء والشطابة” بين الفينة والأخرى، حفاظا على “البناء الديمقراطي، وإعطاء نفس جديد للسياسة، التي تشكل صمام أمان أمام كل التدافعات التي تحصل داخل الدولة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى