تحليلات أسبوعية

تحليل إخباري | كيف تحول “البام” من حزب يجمع “الديمقراطيين” إلى حزب يضم كبار البارونات 

من حزب الهمة إلى حزب لا همة له

إعداد: سعيد الريحاني

    ((المغرب دخل الآن في حلقة مفتوحة على محاربة الأمية، ومحاربة الفقر.. هذا هو مشروع الملك محمد السادس، وهذا هو مشروع مغرب اليوم، أظن أن الرجوع إلى الأصل أصل، واليوم أقول لجميع الطاقات في جميع المناطق المغربية وخارج المغرب، إنه حان الوقت لخدمة وطننا.. أتمنى أن أساهم في فريق آخر، وفي زاوية أخرى لخدمة وطني وملكي)).. هكذا تحدث فؤاد عالي الهمة يوم الإثنين 10 دجنبر 2007، في برنامج تلفزيوني على شاشة القناة الثانية، ورغم الفارق الزمني بين سنة 2007 و2024.. إلا أن المشروع لازال هو نفسه، وكل مواطن مغربي سيكون حتما متفقا مع مضمون هذا التصريح، وهذا الكلام هو الذي برر به الهمة انتقاله من ممارسة “المهمة الإدارية” بوزارة الداخلية(..)، إلى ممارسة السياسة، التي تحولت فيما بعد إلى مشروع لـ”حزب الأصالة والمعاصرة”، بناء على ما سمي “حركة لكل الديمقراطيين”.

الحزب هو نفسه، وفؤاد عالي الهمة هو نفسه، لكن الزمن تغير بعد أن أحاط به محترفو السياسة، وتحول من صاحب مشروع ورؤية إلى صاحب رأي ضمن مجموعة من الآراء، في مكتب مكون من مجموعة من الديمقراطيين جدا(..)، ولأنه يعرف أن الأمور تسير من سيء إلى أسوأ، وأن هناك فرقا كبيرا بين إعلان النوايا، وبين الممارسة.. فقد سكت مدة طويلة عن الكلام قبل أن يخرج بتصريح مفاجئ ومكتوب قال فيه يوم 14 ماي 2011: ((يؤسفني أن أحيطكم علما بأن قرار استقالتي من مهام رئاسة لجنة المتابعة، من خلال متابعتي لما يجري داخل المكتب الوطني من صراعات جانبية، وانقسامات غير مبررة، والرغبة في تعطيل عمل اللجن التي تم التوافق على تركيبتها، وصلاحيتها، ورئاستها، وكذا ما يتعلق بمهام الجيل الجديد من الأمناء الجهويين.. وكلها تشكل مضامين التصور التنظيمي الذي حاز على موافقة المكتب الوطني بمناسبة الدخول السياسي للسنة الحالية، إضافة إلى أن المشروع السياسي، الذي على أساسه تم بناء الحزب، قد تعرض لانحرافات كثيرة، لم تستطع خلاصات الخلوات المتكررة من تجاوزها، إضافة إلى أن الجو السائد اليوم داخل المكتب الوطني، يجر تجربتنا إلى وضع المأزق، مما يشكل انهيارا للآمال المعلقة عليها في لحظة سياسية دقيقة تمر منها بلادنا..)) (المصدر: مقتطف من نص رسالة استقالة فؤاد عالي الهمة، التي رفعها إلى المكتب الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة).

تتمة المقال بعد الإعلان

منذ ذلك الوقت، تحول حزب الأصالة والمعاصرة من “حزب ذو همة” إلى “حزب بدون همة”، لتتوالى الوصفات التجريبية من أجل الحفاظ على التنظيم، وهي وصفات تتغير مع كل مرة يتم فيها تغيير الأمين العام.. حتى وصل إلى نسخته الأخيرة، حيث يوجد عدد مهم من قيادييه رهن التحقيق، ورهن الاعتقال، بتهم خطيرة، تبدأ بتجارة المخدرات وتنتهي بغسيل الأموال و”استغلال النفوذ وإرضاء الأهواء الشخصية”..

وانظروا للفرق الكبير بين زمن الهمة والزمن الذي تلاه، من خلال البيانات التي كانت تصدر عن حزب الأصالة والمعاصرة، فهو ((الحزب الوحيد الذي كان يطرد أصحاب الملايير المشبوهين من صفوفه، بل إن الأمر وصل بـ”اللجنة الوطنية للانتخابات”، التي كان يرأسها الزعيم الحقيقي للحزب(..) إلى إصدار قرار بـ”عدم منح تزكية الترشح باسمه لانتخابات تجديد ثلث مجلس المستشارين سنة 2009، للعديد من الأشخاص، بسبب الشبهات المثارة حول الأموال التي يستعملونها..”.

وأوضح بلاغ للحزب (وقتها)، أن السبب يعزى إلى “التقارير المرفوعة إلى اللجنة من قبل هيئات الحزب المحلية والجهوية من اشتباه توظيفهم للمال المشبوه في العمل السياسي”)) (المصدر: بلاغ المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة/ 24 شتنبر 2009).

تتمة المقال بعد الإعلان

هكذا إذن، مجرد الشبهة في استعمال “المال المشبوه” كانت تؤدي إلى الطرد من الحزب، فما الذي حصل بعدها؟

صورة من الزمن الجميل.. “حركة لكل الديمقراطيين” التي انبثق عنها حزب الأصالة والمعاصرة، قبل ظهور حقيقة البعض(..).

الواقع، أن الحزب عاش منذ تأسيسه صراعا تنظيميا بين كبار رجال الأعمال وهما صنفان: أحدهما مشبوه(..) مقابل فئة أخرى كانت محسوبة على أصحاب المشروع، وأصحاب الفكر، والمؤمنون بـ”مشروع حزب المغرب”، لكن تنزيل المخطط اصطدم بمناورات تنظيمية جعلت عددا كبيرا من المثقفين وأصحاب الفكر و”الديمقراطيين”، خارج العجلة التنظيمية للحزب مقابل صعود كبير للبارونات، وإلغاء كل الأعراف الأخلاقية التي اشتغل بها الحزب في بداية عهده(..).

بغض النظر عن الأسماء والأشخاص، فإن محطة الانحراف الشامل “الانعطاف الأخير(..)”، هي محطة المؤتمر الوطني الأخير الذي انعقد بالجديدة، والذي نتج عنه تعيين عبد اللطيف وهبي أمينا عاما للحزب، هذا الأخير قضى على آخر أمل للصف المحسوب على الفكر والتفكير(..)، بل إن واحدا من منافسيه قال إن المؤتمر الذي انتخب فيه وهبي لم يكن سوى تجمعا فوضويا عشوائيا(..)، وما زاد الطين بلة، هو كلام عبد اللطيف وهبي نفسه عن الصف المخالف، الذي كان يضم ما تبقى من الفئات القادرة على التفكير بأنهم مثل “قطط الرصيف” التي لا يحتاجها(..).

تتمة المقال بعد الإعلان

لفهم الانحراف الأخير لحزب الأصالة والمعاصرة، الذي أعطى تزكية مفتوحة للمليارديرات والمشبوهين، وجلهم كانوا يساندون المحامي وهبي، وعلى رأسهم المعتقلان البعيوي والناصري(..)، تكفي العودة لرسالة الأمين العام السابق حكيم بنشماس، هذا الأخير ينطبق عليه المثل القائل و”شهد شاهد من أهلها”، وتكمن خطورة هذه الشهادة التي ترجع لسنة 2019، في تضمنها لوقائع تتحدث عن محاولة “المليارديرات” للسيطرة على الحزب وبيع التزكيات، والسيطرة على الصفقات في كافة أرجاء المغرب(..)، وما يعطيها المصداقية هو أن صاحبها (حكيم بنشماس) أدلى بها في قلب “المواجهة الأخيرة”، بل إنه بعثها من بلد الإكوادور، تماما كما يفعل “المنفيون”.

يقول بنشماس في رسالة تنشر “الأسبوع” مقتطفا منها دون زيادة ولا نقصان، متحدثا عن الأخطبوط الذي سيطر على الحزب: ((أجزم بأن لهذا الأخطبوط رأسا تتساقط وتتكشف أقنعته تباعا، رأس يتخذ شكل ما أجرؤ على تسميته بالتحالف المصلحي لبعض مليارديرات الحزب الجشعون.. أبرز من يظهر منهم على المكشوف موزعون من حيث المنشأ والامتداد، على مناطق: طنجة والنواحي؛ الحسيمة والنواحي؛ بني ملال، والكثير من نواحي أسفي مراكش، والكثير من النواحي أيضا.. ما الذي يجمع بين مكونات هذه الشبكة الناشئة؟ وما سر التحالف بين أقطابها؟

حكيم بنشماس الأمين العام السابق يفضح كل شيء سنة 2019(..).

إن جزء كبيرا من الجواب عن هذا السؤال الذي سنعود إلى تفاصيله لاحقا، موجود في قسم الصفقات التابع للمجلس الجهوي بمراكش أسفي، وغيره من الجماعات الترابية، كما أنه موجود أيضا في الصفقات العابرة للجهات والممتدة حتى ماربيا.. جزء آخر من مفاتيح السر يكمن في حسابات تدبير الانتخابات المقبلة، ليس من زاوية استراتيجيات وتكتيكات مواجهة خطر الولاية الثالثة، ولكن من منطلق تدبير التزكيات المقبلة والطموح إلى التحكم فيها من خلال استعجال تنظيم المؤتمر لإفراز أمين عام “ماريونيت”.. لماذا يعضون بالنواجد على سرقة اللجنة التحضيرية في تحد خطير للجنة التحكيم والأخلاقيات، وفي استهتار بكل القوانين والأعراف؟ ولماذا يستعجلون عقد المؤتمر الوطني في يوليوز كما صرح بذلك “المحامي” المستعد دوما لتحويل الأسود إلى أبيض والأبيض إلى أصفر.. وهلم جرا سفسطائيا منفلتا من عقاله؟

تتمة المقال بعد الإعلان

بالنسبة لهؤلاء، لا بد من بعض المساحيق، ولا بأس من ترديد وتكرار بعض الجمل الرنانة لدغدغة عواطف القواعد، من قبيل: “إننا ضد القرارات الانفرادية للأمين العام”، “إننا نواجه من باع الحزب للتجمع الوطني للأحرار”، “إننا نريد قيادة جديدة من الشباب”.. لكن بيت القصيد وجذر “العقل الانقلابي”، وعينه على أمين عام جديد مطواع وخنوع وتحت الخدمة كمدخل للتحكم في التزكيات.. لكن لماذا التزكيات؟ أولا: لأنها مدرة للدخل المباشر الغزير الذي لا يجد طريقه لحساب الحزب البنكي، والذي ينفع لشراء الولاءات وصناعة “زعامات” قادرة على إحداث الضجيج.

ثانيا: لأنها المعبر الضروري نحو الجماعات الترابية بما تتيحه من عقد الصفقات وضمان تجديد الصفقات لفترة أطول (اسألوا ذ. حسن بنعدي، ليطلعكم على سر رفض “بوجلابة” وإصراره على إجهاض فكرة إسناد رئاسة لجنة التنسيق بين رؤساء الجهات الخمس، للأخ علي بلحاج، كما أجهض حتى مجرد ندوة للاحتفاء بالذكرى الحادية عشر لتأسيس “حركة لكل الديمقراطيين”!؟).. سؤال آخر: كيف تشتغل شبكة المليارديرات الجشعة؟ وكيف تدبر معركة السطو على اللجنة التحضيرية واستعجال عقد المؤتمر في يوليوز؟ لا نحتاج إلى كثير عناء لفهم منطق المليارديرات، فاستراتيجيتهم “الذكية جدا” تتلخص، ببساطة، في ستة عناصر:

1) يلزمها “خطاب” سياسي.

تتمة المقال بعد الإعلان

2) تلزمها “قيادات” ممن لم ينالوا حصتهم من الكعكة التي ألفوا الحصول عليها، أمثال “القائد المغوار” الحربائي المتقن لأسلوب “أنتيفون” الغوغائي الذي شوه إرث سفسطائيي أثينا.. رأس الحربة هذا الذي كان ينتظر إقالة الرجل الخلوق المخلص للحزب ذ. أشرورو من رئاسة الفريق البرلماني وتنصيبه بدلا منه، أو أمثال “ماكرون أكدال” الذي صدق أنه “سوبر شاب” وأكثر حظوة من الشباب الآخرين وأكثرهم استحقاقا لاحتلال مواقع القيادة.

3) بعض الكتبة الجاهزون للدفع والاستلام والمستعدون لكتابة تدوينات ومقالات إنشائية تبشر بـ”المستقبل” وتتغنى بـ”ندائه” حتى ولو تطلب الأمر سهر و”سمر” الليل والنهار.. المهم هو الحصول على بعض الفتات!

4) يلزمها بعض “الصحافيين” منتحلي الصفة(..).

5) يلزمها بعض النشطاء في “الفايسبوك”، بأسماء معروفة وأخرى وهمية، متخصصون في السب والشتم وتشويه السمعة والتهجم على المناضلات والمناضلين.

6) يلزمها “تريتورات” لاستدراج البسطاء من عمال المعامل والضيعات والأوراش، وملء بطون بعض الجياع، بتسخير أموال ضخمة في الإطعام والمبيت في الفنادق المصنفة كما حدث في أكادير وكما سيحدث بالتأكيد في بني ملال، ما يطرح تساؤلات حقيقية عن مصادر هذا التمويل السخي)) (المصدر: رسالة حكيم بنشماس من الإكوادور / يونيو 2019).

لا شك أن رسالة حكيم بنشماس تعد أقوى تشخيص لما وقع في حزب الأصالة والمعاصرة، الذي تحول إلى رهينة في يد المليارديرات، الذين ينتمي إليهم من يوجد اليوم رهن الاعتقال، ويا لها من صورة بشعة، عندما يتحول الحزب المعول عليه، من “حزب يخدم الوطن” إلى حزب “يخدم أجندة الملياديرات” كما وصفهم حكيم بنشماس، وأي تشابه بين الأسماء والصفات، فهو بالتأكيد مقصود من لدن صاحب الرسالة(..).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى