حديث العاصمة | عظمة العاصمة قزمت القانون الجماعي

بقلم: بوشعيب الإدريسي
قد تصير العاصمة نموذجا يقتدى به في تسيير شؤونها إذا تم الاهتداء إلى سر تقدمها وازدهارها وتتويجها بألقاب وطنية وإفريقية لم تحظ بها أي عاصمة من القارة الإفريقية، وهذا هو السر في وطنية وإخلاص نقبائها وعمدائها، وبعض القائمين على أمانة تمثيلية الروح السياسية والنبوغ الثقافي والإدارة المسؤولة حتى لا تخدش صورتها، وقد برهنت على مستوى يفوق الوصف في تحمل، وبكل كفاءة عالية، ما كلفه بها المشرع في مادة واحدة من القانون الجماعي هي المادة 111، لا يتعدى محتواها ربع ورقة من الأوراق صغيرة الحجم، بينما جماعتنا المنتخبة والمدعمة بأصواتنا وأموالنا، “متعها” نفس المشرع باختصاصات 179 مادة من ذلك الميثاق الصادر منذ سنة 2015، وتصدرت فيه الصلاحيات المباشرة وغير المباشرة على امتداد صفحات حاولت رسم وبخطوط عريضة ومفردات مفهومة لا تحتاج لتفسير أو توضيح، المطلوب من المنتخبين، علما بأنه مجرد خارطة طريق أمام “سياسيين” قادة والتدبير في عاصمة سياسية، ونبغاء التفكير والاجتهاد الفكري في مؤسسة جماعية حارسة على بلورة ثقافة مشهود بقاريتها على هذه العاصمة، فكان من المسلم به أن لا يحتاجوا ولا يستأنسوا بأي خارطة للاهتداء إلى طريق خدمات القرب للرباطيين، بل كان المفروض فيهم أن يرتقوا إلى مرجع يفتون به لغيرهم من الأقاليم البعيدة عن مراكز القرارات، بالفتاوى السياسية والقانونية والإدارية والثقافية والعلمية لحسن تطبيق المهام الانتخابية، فالقانون الجماعي لا علاقة تربطه بالناخبين، وهو – كما أشرنا – بين السلطات والمنتخبين التي وثقت بالقانون ونظمت بكل دقة مواده حسب زمن 2015، ويبقى فراغ واضح لم يعد مقبولا في زمننا، فإذا ضمنت السلطات حقوقها من الجماعة، فإن الناخبين لا حقوق مضمونة ومكتوبة ومقننة لهم من منتخبيهم، وكل ما في الأمر، وعود وبرامج وعهود وخطابات تنطلق مع كل حملة انتخابية وتذوب مع إعلان النتائج، فلا قانون ينصف الناخب ويضمن حقوقه من المنتخب، وحتى القانون الجماعي صمت على هذه الحقوق المهضومة، التي لم يطالب بها أي حزب، فهذا الحزب هو الذي “يفصل” القانون الانتخابي على مقاسه، يناقشه ويتداوله في البرلمان، ثم يطبقه بواسطة منخرطيه في الجماعة، وهذا القانون في اعتقادنا انتهت صلاحيته، وافتضحت هفواته، وظهرت عيوبه وابتعاده عن ترسيخ خدمات القرب للرباطيين، وانحيازه الكلي للإغداق على المنتخبين بالامتيازات أو بالسكوت عنها.
فلابد إذن، من مراجعته مراجعة تساير تموقع المملكة في مصاف الدول القائدة في قارتها، وتلبي تطلعات سكانها بمن في ذلك الأفارقة، ليتمتعوا بحق التصويت والترشيح في الانتخابات الجماعية، فلا يكفي أن نكرر أننا من قارة تجمعنا بإخوان من نفس الجغرافيا، ولكن علينا أن نكون سباقين في هذه القارة لنبرهن على صدق أخوتنا بإدماج هؤلاء الإخوة في الحياة السياسية المحلية وفي التمتع بالإقامة التي يتيحها لهم الانتماء الإفريقي.
وقد عنونا هذا الحديث بـ”عظمة العاصمة قزمت القانون الجماعي”، وبالفعل هذا رأي الأغلبية الساحقة للرباطيين بضرورة إنصاف جوهرة العواصم الإفريقية بقانون خاص بها يقتفي جدية المادة 111 من الميثاق الجماعي، التي أوصلت الرباط إلى مصاف المدن العالمية، وتصورا لو كانت لها 180 مادة.



