المنبر الحر

المنبر الحر | الضرورة تبيح المحظورات..

بقلم: بنعيسى يوسفي

    هناك قاعدة فقهية تقول أن “الضرورة تبيح المحظورات”، وهذه القاعدة تُعضّدها آيات قرآنية من كتاب الله تعالى، ما يعني أنها جائزة في حالات معينة ومحدودة، وهناك أمور ممنوعة ومحظورة وقد تكون محرمة، ومع ذلك، رخص الله سبحانه وتعالى للإنسان في ظروف استثنائية أو في ضرورات معينة، أن تصبح مباحة أو “حلالا مؤقتا” حتى تزول الشدّة والضرورة، وبعد ذلك تعود الأمور إلى طبيعتها الأولى، هذا تشريع ربَّاني لا يأتيه الشك من أي جانب، وهو حقيقة مطلقة، لا يرقى إليها التغيير أو الاستبدال، ومع ذلك، تجد فيها هامشا للتحرك وللتغيير أو الاجتهاد رحمة بالإنسان المضطر، فما بالك إذا كان هذا التشريع من صُنع البشر.. ألا يجوز تغييره وتعديله كلما دعت الضرورة إلى ذلك، ولو بشكل مؤقت على الأقل بحثا عن حل لإشكالية أو معضلة ما؟ ما الضير إذا كانت المصلحة العامة تقتضي تعطيل بنود من قانون معين لإيجاد مخرج لقضية أو إشكالية معينة ؟

سبب نزول هذا الكلام، هو الطريقة والمنهجية التي تسلكها الحكومة ووزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي مع احتجاجات وإضرابات رجال ونساء التعليم، ونقطة ضعف – حتى لا نقول شيئا آخر – هذه المنهجية، تتجلى في تهميشها وعدم استدعائها أثناء جلسات الحوار، للهيئات الداعية للإضراب واكتفائها بالنقابات “الأكثر تمثيلية” باعتبارها مؤسسة دستورية، واحتراما للديمقراطية التي دأبت عليها الحكومة في تدبير ومناقشة الملفات المطلبية مع النقابات منذ زمن بعيد كما يجنح إلى ذلك كل المسؤولين الحكوميين، وكل خروج عن هذه المنهجية هو تقويض لهذا السلوك الديمقراطي، وبالتالي، تمهيد الطريق لممارسات أخرى ستضر بهذا السلوك الذي لطالما كان مطلبا نقابيا ومجتمعيا من أجل تنظيم العمل النقابي في علاقته مع الحكومة وتحصينه وتمنيعه من أي انزلاقات أو انحرافات يمكن أن تعود بنا إلى نقطة الصفر، ونحن من حيث المبدأ لا اعتراض لنا على هذه المقومات والأسس، وهي أسس كبرى ومبادئ عامة لا نقاش فيها، لكن يحدث أن تظهر إلى الوجود قضايا شائكة وعويصة بفعل سوء تدبير أو سوء تسيير أو أخطاء حسابية، يمكن أن تسقط فيها الحكومة أو وزير قطاعي معين، أو حتى نقابة أو نقابات معينة.. هذه الأمور تقع في جل دول العالم وحتى أكثرها ديمقراطية، وهنا نكون أمام أمرين: إما أن نستكين إلى القانون بحذافيره ونركن إليه ونحن نعلم محدوديته في حل الإشكال الذي يؤرق الجميع، وأن كل ما يتضمنه من بنود ومقتضيات، تبدو الأزمة أكبر منه، ومنه لن يفضي الاقتصار عليه في حلحلة الأزمة إلى أي نتيجة، وهنا نعطي الفرصة لهذه الأزمة لكي تستفحل وتتفاقم، وبالتالي، يصعب التحكم في تبعاتها وتداعياتها، وهذا أمر خطير يمكن أن يؤدي بنا إلى ما لا تحمد عقباه، وإما الاجتهاد وكسر القاعدة ولو مؤقتا والخروج عن النسق والبحث عن المخرجات والحلول في جهة أخرى، خاصة إذا كانت هذه الجهة حاضرة ومستعدة للمشاركة في هذا البحث، ففي الوقت الذي يبدو من الصعب جدا حينما تبلغ أي إشكالية ذروتها وتتعاطى معها بكل ما أوتيت من قوة وذكاء وتفاوض مع من ترى فيهم مساعدين على الحل، ومع ذلك لا تفلح في إيجاد حل لهذه الإشكالية، وحينذاك تبحث ذات اليمين وذات الشمال على من يفك شيفرتها ويعبّد لك الطريق للاهتداء إلى الحل، وقد تكون التكلفة غالية، ومع ذلك لا تستطيع الوصول إلى الغاية المرجوة، وقتها، قد تعلن عن الهزيمة والاستسلام جهرا إيذانا بانهيار كل شيء وتكريسا للأزمة وإطالة أمدها، فهنا يبدو من الضروري جدا الاستنجاد بمن يمكن أن ينقذني من الغرق ولو أنني أختلف معه في كل شيء، ولكن ما دام أنه يملك بين يديه جزء من الحل الذي أبحث عنه، فهنا يمكن أن أقفز على كل شيء بما فيه حتى القانون، لكي أضع حدا للنزيف وأداوي الجرح الذي أبى الاندمال، ولأن المسألة أيضا لم تعد تحتمل التأجيل أو التأخير، فلقد بلغت القلوب الحناجر، ونفذ صبر الجميع، وأي تلكؤ في اقتناص الفرصة التي تتيحها هذه الجهة التي تبدي استعدادها لإنقاذي من الغرق، هو دق آخر إسفين في نعش القضية، وبالتالي، فليتحمل كل طرف مسؤوليته أمام التاريخ والمجتمع.

تتمة المقال تحت الإعلان

لن نبالغ إذا قلنا أن الحكومة ومعها المسؤول على قطاع التعليم، بتعنتهم وامتثالهم المبالغ فيه أمام القانون وعدم قيامهم ولو بخطوة صغيرة استثناء، باعتبار أن اللحظة التاريخية تقتضي ذلك، ويتم استدعاء بأي شكل من الأشكال أو تحت أي غطاء معين الهيئات الحقيقية المرابطة في الميدان والإنصات إليها ما دامت قد فرضت نفسها على الجميع، فربما سينخفض منسوب الاحتقان على الأقل في أفق البحث المشترك عن الحلول والإشكاليات العالقة الكثيرة التي يحفل بها القطاع للأسف، بما فيها طبعا النظام الأساسي المشؤوم، وسنكون قد ربحنا زمنا دراسيا مهدورا بالإكراه.

تتمة المقال تحت الإعلان

على أية حال، ورغم أن الالتفاتة إلى هذه الهيئات جاءت متأخرة بعدما وصل السكين إلى العظم، كما يقال، وظهر أن النقابات الكلاسيكية لا تمثل إلا نفسها في أرضية الميدان في هذه المرحلة على الأقل وارتباطا بموضوع النظام الأساسي بالتحديد، وتم استدعاؤها رفقة نقابة أعلنت تمردها علانية على الحوار القطاعي منذ ما يقارب العام، ولم تبادر الجهات الوصية معاودة استدعائها، وهذا ضرب للديمقراطية التي تقول الجهات الرسمية أنها تؤمن بها في هذه الحوارات، لكن التأخر في الوصول هو خير من عدم الوصول، وهذه الصحوة الوزارية المتأخرة نتمنى أن تكون خلفياتها وأهدافها جدية للوصول إلى حلول ناجعة للأزمة، وأن تتعلم من الأخطاء السابقة، وأن يتم التعجيل بإظهار النتائج الملموسة في الجلسات الحوارية المتبقية التي نتمنى أن تكون حافزا يعيد الأستاذ والأستاذة إلى إنقاذ سنة دراسية للتلاميذ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى