المنبر الحر

المنبر الحر | Dizzy DROS يضرب بقوة في خمس دقائق فقط !!

بقلم: شعيب حليفي

    قبل ألف وأربعمائة سنة، كان الفارس الأسمر عنترة يمتطي فرسه الأدهم الملاّطي بنظرات غامضة شبيهة بنظرات نسر غاضب، لا يُروّض غضبه بالأبيض والأسود تجاه سادة قبيلته الذين يستحكمون قبضتهم حول أعناق وأرزاق البسطاء بالاستعباد والاسترقاق، ولكنهم في المقابل، غير قادرين على حماية ولو أنفسهم من غارات القبائل الأخرى، ثم غضب ثاني من نفس المستوى تجاه القبيلة الجائرة التي لا يختلف حكامها عن سادتها!!

تتمة المقال تحت الإعلان

 لذلك اختار عنترة الشعر والحب والحروب التي تدافع عن الحق في الوجود، حافزُه خيال الأبطال الأسطوريين للانتقام من كل ما يُشعِره بأن حقه في الحياة ناقص، حافزُه وهو يدخل الحرب فيضرب بكل قوة، مرتديا لباسه الأبيض المحبب إلى نفسه، وفي لحظة ما، في غمرة الصخب والصراخ والغبار وصهيل الخيول والعويل.. لحظة تتأرجح بين القسوة والرحمة، بين الموت كاملا أو الحياة الباقية.. لا مجال لأنصاف الحلول.. آنذاك وبعدما يمتلئ شغفا وسيفه في تناغم مع غضبه، يتذكر حبيبته عبلة، فيهُمُّ غير عابئ بتقبيل السيف وقد تضرج بالدماء.. لكن بارقة من لمعانه عكست – مثل طيف خيال – صورتها أو فمها بالأحرى.

تتمة المقال تحت الإعلان

وَلَقَد ذَكَرتُكِ والرِّماحُ نَواهِلٌ           مِنّي وبِيضُ الهِندِ تَقطُرُ مِن دَمي

تتمة المقال تحت الإعلان

فَوَدَدتُ تَقبيلَ السُيوفِ لأَنَّها         لَمَعَت كَبارِقِ ثَغرِكِ المُتَبَسِّمِ

لقد حضرتني صورة عنترة، في صبيحة يوم السبت، وأنا أستمع عبر “اليوتيوب” لمعلقته بصوت وائل حبّال هذه المرة، ثم صادفت شرحا مغربيا للشيخ سعيد الكملي، قبل أن أعود إلى الاستماع إلى المعلقة وبالي مشدود إلى تدوين شيء  يُعيدني إلى الكتابة بما يمور بداخلي حول ما يجري في أيامنا الصعبة، ولمّا لم أجد مدخلا ملائما، عدت أقلب في “اليوتيوب” عن قصيدة للمتنبي أمنح بها روحي سكينة، فطلعت لي أغنية الرّاب والتي تحمل اسم “المتنبي” كنت استمعت إليها في أوانها وطلعت لنفس الرابور أغنية جديدة قبل يومين، فضغطت أستمع إلى النشيد الأخير “مع العشران” لفنان الراب، الرّابور والشاعر عمر سهيلي، ابن  كازابلانكا، والذي يتخذ من اسم “ديزي دروس” علامة فنية تحيل على قوافي الشوارع السفلية للمجتمع الهامشي، الذي يزداد هبوطا تراجيديا.

“ديزي دروس”، صاحب العزة، فتح عينيه في حي تفصله قنطرة نائمة، العبور منها لا يقود إلا إلى نفس الحياة، في مسمى “بين المدن”، وهو فضاء معلق بين زمنين وحياتين وثقافتين، ولكنه استطاع أن يُرضع أبناءه حُرقة الكلمات والأصوات الرافضة للعبور عموديا إلى الشغف الرائق.

“مع العشران”.. نشيد شاهق وقوي، صرخة أشبه برمي حجارة مسنونة في وجه الظلام فتجرحه وتشق فجوة فيه طلع منها بصيص نور مشع.. ففي هذا النشيد “الثوري” والذي طوّح ببكائيات الغرام بعيدا، جعل “ديزي دْروس” كأنما يبحثُ عن سيف يضرب به الصخرة التي تنيخ على الزمن وتعتصره، فرأى أن الأمر غير مجد، لأن الجائرين كُثر وأساليبهم متطورة، لذلك كتب الكلمات بنفسه وبحرفية شاعر إنساني أو عالمي يقف على حافّة العالم المجنون ويتكلم بروحه الجريحة وهو يضحك عاليا.

فيديو كليب من خمس دقائق، وبلغة أهل الفن من مقاطع/ طراك ومشاهد كثيرة ومتوالية ومتكررة وسريعة، ممتلئة باللون والصور والرموز والإشارات كما بالوجوه والأسماء والألوان والشعارات واللباس والآلات والتواريخ والحركات.. جميعها بناء فني دائري غير مغلق ولا يجيب عن شيء، ولكنه سؤال واحد من الوجه والقفا، من تمة فالتأويلات الجزئية لا تنتهي، بينما كل تفصيل من هذه التفاصيل يبوح صراحة بالنقد والسخرية و”الكلاشات” في الحكومة وعبثها، وفي كل المفارقات المضحكة والمبكية، وتلك مقدرة فائقة لت”ديزي دروس” العجيب وهو يوجّه كلامه لرئيس الحكومة ومن يشبهه شرّحْ بلا ملحْ، يقول له: ((واش يرضى بينا لقبر/ واش يقبل علينا لبحر/ المغرب ديالنا أحسن بلاد/ وطلعتو لينا في… / ضربنا معاكم جهنم/ ربي غا يغفر لينا بالصبر / كيفاش باغي تربي مغاربة/ انت ما كتعرف تا كيفاش تهضر/ أنت زرق بحال كتلعب في النصر/ كتهرنط وجاع ما كتسنط/ كتهضر بحال كتصنع في النفط/ وانت أصلا معانا جاع ما مصنف/ كتجس النبض حيث كتحس بالنقص/ ما كتحملش النقد وجلس لرض / تكالمة حبس اللغط/ أجي نقسمو معاك نص بالنص/ ضربتو اللعاقة الرجا في الله/ كلنا تراب ونعاس/ لاناض الصداع وتفاصلنا/ أي لعبه طلبتها رزقني الله)).

إبداع جديد يقدم رؤية شجاعة للجمال الفني ودوره في تحرير الخيال وفك عقدة اللسان، وهو في طور بناء نفسه وتشذيب الوحشية التي تميزه، وفرصة لمعاودة السؤال حول الأدب والفن، والتأثير الممكن في أن يكون لهما دور ملموس، والرّد على قبح الواقع بشجاعة جميلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى