المنبر الحر | مبادرات إسرائيل لتهدئة الوضع بالغرب الإفريقي وتفاصيل الخلاف السعودي المصري

بقلم: نزار القريشي
إن اتصال جيك سوليفان، مستشار الأمن القومي الأمريكي، مع إيميي رئيس المخابرات الفرنسية الخارجية، حول تهدئة التصعيد في الغرب الإفريقي، كان بطلب من الجزائر ومبادرة قصر الإليزيه بتسوية الوضع معها في ظل التصعيد مع جنوب إفريقيا، وهو ما تم في البدء عبر لقاء نتنياهو وسوليفان، والذي سعى لانفراجة في العلاقة السعودية-الإسرائيلية، ومن تم مع الجزائر وتعضيد التحالف ضد إيران، التي تعتبر الخطر الأكبر على منطقة الخليج العربي، وإبعاد التوتر بين المغرب والجزائر والذي يخدم أجندة منطقة الغرب الإفريقي وجبل طارق.
ومن خلال اتصالات ماكغورك، منسق البيت الأبيض لشؤون الشرق الأوسط، تأكد أن تسوية الخلاف بين الجزائر وتل أبيب تعني بشكل مباشر انفراجة بين الرباط وباريس، وهو ما يبعد منطقة الغرب الإفريقي عن الصراع الكلاسيكي بين الجزائر والمغرب منذ الحرب الباردة، غير أن المرحلة والحرب في أوكرانيا تقتضي في ظل التصعيد مع جنوب إفريقيا باستقبالها لفرقاطة “سيركون” والتي لم تمر عبر البحر الأبيض المتوسط كما كان متوقعا، بل مرت عبر رأس الرجاء الصالح والمناورة الروسية الجنوب إفريقية والتغيير في أجندة الفرقاطة الروسية، أمام جديد الأجندة الجزائرية التي تلعب على أطراف المتناقضات بالجمع بين العلاقة مع روسيا والصين والتي لا تلتقي والعلاقة مع فرنسا وأمريكا وإيطاليا، وهو ما تأكد من خلال طلب الرئيس الجزائري لتقارير حول ما وعد به الأمريكيون بعدم الطيران على حدود الجزائر، غير أن الأمر يتوقف في الواقع على سلوك الجيش الجزائري والحدود المغربية، وأن الموقف الأمريكي قابل للتراجع أمام أي خرق جزائري للأجواء والأراضي المغربية التي تعني طريقا لاختراق أمن جبل طارق بشكل مباشر.
إلى ذلك، فإن الشراكة الأمريكية الجزائرية، والأمريكية المغربية، من شأنها – إن تمت عبر قصر الإليزيه – تجميد الصراع بين الجزائر والرباط، وهو ما سعى إليه إيميي وسوليفان، لأن أي تصعيد بين المغرب والجزائر سينعكس على أمن جبل طارق امتدادا لجنوب أوروبا والشمال الإفريقي، لذلك، فإن إنهاء الخلاف الغير مقبول بين الرباط وباريس، أصبح ضرورة ملحة من ضرورات المرحلة وما بعدها، خصوصا في ظل محاولات روسيا المتكررة والداعمة للجزائر قصد استغلال الموقف، مرورا إلى مالي وتشاد ومنطقة الساحل والصحراء والممر المائي لجبل طارق، إذ أن روسيا تناور في هكذا ملفات، غير أن الدعم الأمريكي والبريطاني للرباط يضمن تجميد الصراع في الغرب الإفريقي والذي قد يتطور إلى أطماع صينية عبر علاقة روسيا والجزائر.
وبالانتقال إلى التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط، فإن الخلاف بين الرياض والقاهرة الناتج عن أسئلة السعودية لمصر عن مآل الدعم المالي المقدم لها، وارتباطا باجتماع أبوظبي الذي لم تحضره السعودية والكويت، والتراجع المصري في ملف جزيرتي تيران وصنافير، فإن الرياض أصبح لديها دفتر خاص لأي علاقة مالية ذات طابع مالي ومترتبات لا تمر دون معرفة أين تذهب هذه الأموال، لذلك أصبح من المؤكد الذي لا يجب التراجع عنه، أن مواجهة الخطر الإيراني وأذرعه بالمنطقة والتي طالت سابقا منشأة “أرامكو”، لا ولن يتم إلا عبر تطوير الشراكة السعودية الأمريكية، وأن رغبة “الموساد” في الإبقاء على مراقبين دوليين بتيران وصنافير يضمن السلام بالشرق الأوسط بعد التطبيع الخاص باستعمال الأجواء المشتركة بين المملكة العربية السعودية وإسرائيل، وضرورة عودة المساعدات الأمريكية لمصر كاملة للمساعدة في تلطيف الأجواء، وهذا ما تسعى إليه تل أبيب لضمان أمن المنطقة أمام تطور العلاقة بين روسيا وإيران والحرب في أوكرانيا، لذلك، فإن دخول الصين للمنطقة – إن تجذر – يصعب إخراجه أمام أي تطور مستقبلي، وغطرسة الصين التي ستجد صعوبات اقتصادية بعد خروج الشركات الأمريكية والأوروبية من أراضيها، وانتقالها للهند كضرورة لإنهاء نمو الاقتصاد الصيني، وهو ما يسعى منسق البيت الأبيض لشؤون الشرق الأوسط إيصال فحواه إلى الشركاء في الخليج، وامتدادا إلى غرب إفريقيا، عبر سوليفان، كضرورة للمنطقة لاستئناف “اتفاقات أبراهام”، التي قد تتطور بعد لقاءات الخرطوم لاتفاقيات سلام مع الفلسطينيين، إن وقع محمد بن سلمان عليها، وأن تكون عودة الاتفاقيات عبر تجاوز مقررات القمة العربية في الجزائر التي لن تعمل سوى على إذكاء الصراع الذي لا يصب في مصلحة المنطقة العربية، رغم أن السلام يجب أن يكون ضمن أولويات المنطقة العربية لخدمة مستقبلها، خصوصا ونحن نعلم أن السياسة لم تعد تتحكم في الاقتصاد، إذ أن الاقتصاد بات هو المتحكم في السياسة، غير أن اجتماع أبوظبي الذي غابت عنه السعودية والكويت، كان دون الإعلان عن عنوان معلن له والقريب من الشراكة مع البحر الأحمر وإفريقيا، وهو ما لم تقبله السعودية في الملف اليمني ورغبتها في إنهاء الصراع بينها وبين اليمن، وهو واحد من الإشكاليات بين الرياض وأبوظبي التي لها شرط استقلال اليمن الجنوبي، وهو ما انعكس على الأزمة السعودية المصرية ويعيد المنطقة إلى إعادة رسم الحدود وضرورة عودة واشنطن للشرق الأوسط لإنهاء الفراغ الذي قد تستغله روسيا والصين، وهما في الأصل حلفاء غير تقليديين للخليج والمنطقة العربية، وهذا التناقض في الرؤى قد تستغله إيران عبر موسكو والصين لتتوسع عبر الخليج والغرب الإفريقي، مرورا إلى الأطلسي وجبل طارق.



