المنبر الحر

المنبر الحر | لا صوت يعلو على صوت الزلزال إلا الاحتلال

بقلم: مصطفى يوسف اللداوي

 

تتمة المقال تحت الإعلان

    الزلزال حدث ضخم مرعب مهول لا يمكن تصور نتائجه وتخيل تداعياته، ولا يوجد في الكون من لا يخشاه أو يخاف منه، إذ لا قدرة للإنسان مهما بلغ في علومه أن يتنبأ به أو يتوقعه، وأبحاثه العلمية مهما كانت دقيقة وعميقة فإنها لا تتمكن من تحديد زمانه وقوته ومدته.. فقد أعيت الزلازل العلماء وحيرت العارفين والمتنبئين، ولم تنجح معها هندسات البناء ودراسات طبقات الأرض، ولم تُجدِ البشرية نفعا فطرة الحيوانات وإحساسها المبكر، وبدا الإنسان أمامها وسيبقى ضعيفا لا حول له ولا قوة، ولا قدرة عنده ولا منعة، ولا وسيلة أمامه ولا طريقة ليتجنب ويلاتها المدمرة، وانتفاض طبقات الأرض المحيرة.

تتمة المقال تحت الإعلان

لا حديث اليوم في منطقتنا العربية والجوار إلا عن الزلزال المدمر، الذي أصابها فجرا وأرعبها، وأيقظها من سباتها ليلا وأذهلها، وأذهب النوم من عيونها وأقلقها، فقد شعر به السكان جميعهم وخافوا، وانتفضوا من فراشهم وهربوا، وتركوا بيوتهم وخرجوا ولم يجمعوا من متاعهم شيئا، وأخذوا معهم أطفالهم إلى الشوارع والساحات وتحت السماء استظلوا، ولم يعودوا إلى بيوتهم ومساكنهم التي ظنوا أنها ستهوي وستسقط على رؤوس ساكنيها ومن جاورهم، فصبروا أمام هول الزلزلة على الصقيع والزمهرير والجليد ورأوه أرحم من الأرض إذا تزلزلت، وأرفق بهم إذا أزفرت.

تتمة المقال تحت الإعلان

ما زالت أعداد الضحايا في ازدياد، وقد تجاوز عددهم في سوريا وتركيا أكثر من ستة عشر ألف قتيل وآلاف الجرحى، إلى حدود صبيحة يوم التاسع من فبراير، والأرقام في ارتفاع.. والحالات التي يكشف عنها خطيرة والتوقعات سيئة، وربما تكشف الساعات القادمة عن ضحايا جدد، فالدمار كبير والركام كثير، والمباني الآيلة للسقوط والانهيار كثيرة، فهي في أصلها في الجانب السوري ضعيفة ومتصدعة، ويقيم فيها عدد كبير من اللاجئين السوريين إلى جانب سكان المنطقة الأصليين، الذين يعانون من الفقر والعوز والحاجة، ونقص الإمكانيات وضعف القدرات، وزاد في المصيبة سوءً فصل الشتاء القارس، وموجات الصقيع المميتة، في ظل عواصف جد باردة تحمل معها في ظل تدني درجات الحرارة إلى ما دون الصفر ثلوجا كثيفة تعيق الحركة وتمنع السكان من التنقل وتجنب الأسوأ.

لكن الزلزال يبقى قدرا من الله عز وجل، وأحد سنن الكون ونواميس الحياة التي اعتاد عليها الإنسان وقبل بها وتعايش معها، وحاول أن يتقي أخطارها ويتجنب الأسوأ من تداعياتها، فلا يستطيع إزاءها إلا أن يُسَلِمَ بها ويرضى، ويخضع لها ويتعامل معها، ويتضامن مع بعضه ويتعافى، ويدعو الله عز وجل أن يرأف بهم ويرحمهم، وأن يتلطف بهم ويكون معهم، وأن يخفف عنهم ويقلل خسائرهم، وأن يرحم الضحايا الذين سقطوا، ويخفف من معاناة المصابين الذين جرحوا ويعجل في شفائهم، ويصبر المكلومين والمفجوعين ويعوضهم خيرا على ما أصابهم، ويجزيهم خير الجزاء على ما لحق بهم، وأن يثبت أقدامهم ليتجاوزوا المحنة ويتخطوا النكبة.

 أما النكبة الأخرى، فهي أشد وأنكى من الزلزال، إذ تتكرر مأساتها كل يوم، وتزداد حدتها يوما بعد آخر، ويكتوي بنارها شعب وأمة، وتتوارث نيرانها أجيال وأحفاد، يقتل أبناؤهم، ويعتقل رجالهم، وتطرد عائلاتهم، وتهدم بيوتهم، وتصادر أرضهم، وتداس كرامتهم، وتنتهك مقدساتهم، ويعتدى عليهم بكل الوسائل والسبل، ويتفنن أعداؤهم في التنكيل بهم والبطش، والعدوان عليهم والقتل، ويمارسون السادية عليهم، ويعذبون قهرا أسراهم، ويمعنون في الإساءة إليهم والتضييق عليهم انتقاما منهم وأملا في تركيع أهلهم وتيئيس شعبهم.

وأعني هنا النكبة الأخرى: فلسطين وشعبها، التي أصابها زلزال الحركة الصهيونية البغيضة، وصدعت طبقاتها الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاستعمار وقوى الاستكبار المتحالفة مع الكيان والداعمة له، التي تآمرت مع العصابات الصهيونية والتنظيمات اليهودية على الشعب الفلسطيني وأمته العربية والإسلامية، فأصابت قلبهم وصدعت بنيانهم، وتسببت في مقتل مئات آلاف الفلسطينيين، ولجوء أضعافهم إلى دول الجوار والشتات، وما زال هذا الزلزال مستمرا، وموجاته الارتدادية متكررة، ولعلها لا تقل قوة عن الزلزال الأول الذي منيت به يوم النكبة، ولا ذاك الذي أصابها يوم النكسة، ولا غيرهما مما تمنى به يوميا على أيدي حكوماته المتطرفة وجيشه المعادي ومستوطنيه الحاقدين.

قد ينسى سكان المنطقة الزلزال الذي أصابهم ودمر بنيانهم وهم يودعون شهداءهم ويترحمون عليهم، فهذا أمر الله عز وجل وقضاؤه، ونحن به نرضى ونسلم ونؤمن به ونقبل، فقضاؤه عدل ورحمة، وهو حكمة وعبرة، أما زلزال فلسطين فهو الزلزال الذي لن ينسى، ونكبتها لن تطوى، وسيبقى شعبها يقاوم ويصر على البقاء ويتمسك بالثوابت، ويؤمن بحقوقه المشروعة في استعادة أرضه والعودة إلى وطنه، وتحرير دياره وعودة أبنائه مهما تزلزلت الأرض ومادت طبقاتها تحت أقدامه، وكثر شهداؤهم ودفنوا تحت التراب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى