بين السطور | وزير الأغنياء لدى ملك الفقراء


في شهر دجنبر 2020، خاطب رئيس الحكومة آنذاك(…)، سعد الدين العثماني، المعارضة، خلال مداخلته بمجلس المستشارين حول موضوع الحماية الاجتماعية، بالقول: “الحكومات السابقة ساهمت في تراكم البرامج الاجتماعية، واللي قال العصيدة باردة يدير يدّيه فيها…”، ليجدد جملته في السنة الموالية خلال إحدى الاستجوابات مع القناة الثانية، بخصوص تدبير الحكومة لجائحة “كورونا” بالقول: “إن من ينتقدون تدبير الحكومة.. يراقبون فقط من بعيد، وكنقول ليهم اللّي كيقول العصيدة باردة يدير فيها يدّيه”.
غريب أمر هذه الجملة لناس الغيوان، رمز الغناء الثوري، أو كما يصنفه الكثير من المغاربة بالغناء “الملتزم” أو الغناء “الاحتجاجي”، أو كما يحلو لآخرين تسميته بالغناء “السياسي”.. غريب كيف انتشر هذا النوع من الغناء ثم اندثر(…) بعد أن حملت كلماته نبرة احتجاجية تعبر عن معاناة الفقراء والمهمشين، ليغيب عن ألسنة الغاضبين والمغضوب عليهم(…) لمدة راوحت الخمسين سنة، ويعود استعمالها على لسان أطراف حكومية، نفس الوجوه(…)، ونفس الجهات السياسية التي كانت تحاربه من قبل..
وبما أن الرجوع إلى الأصل فضيلة، فسرعان ما عاد هذا الأسلوب في الحديث إلى التداول من لدن أصحاب الحاجة، كخطاب أخير في وجه وزير الأغنياء(…)، مقترحين عليه إذا ظن أن العصيدة باردة يدير فيها يدّيه، هذا كل ما يخص السيد رئيس الحكومة الحالي، ليوجه المغاربة مؤخرا جل مطالبهم هذه المرة إلى الملك مباشرة، سواء خلال الاحتجاجات الصاخبة، التي شهدتها عدة مدن مغربية في غضون الأسبوع الجاري، ضد الموجة الثالثة(…) من ارتفاع الأسعار في جميع المواد الاستهلاكية الضرورية، أو ما يحوم حولها من حديث في جميع بيوت المملكة، وفي المقاهي ومقرات العمل.
بغض النظر عن ارتفاع المعيشة، يبدو أن المغاربة فهموا أخيرا، أن الاتجاه الصحيح والمباشر لتوجيه مطالبهم هو نحو ملك الفقراء، هؤلاء الفقراء الذين ما زلنا نطل على أكواخهم من شباك القطار، والذين نرى الفقر في ضحكتهم عبر ذوي الأفواه الخالية من الأسنان، لأن الطبيب مسألة مكلفة في المغرب ولا يستطيع الكل تحمل تكلفتها، هؤلاء الفقراء، يبدو من خلال الرسالة الأخيرة التي يسعون إلى إيصالها، والتي لا تتجلى فقط في خفض المعيشة أو الزيادة في الأجور، وإنما فيما هو أعمق من ذلك، عبر إطلاق العنان لمخيلاتهم في تشكيل لغة جديدة تليق بفترة جديدة(…)، كون الدلالة الصحيحة لملك الفقراء، الوصف الأكثر التصاقا به، لم تعد تعني فقط مصافحة الفقراء في الشارع (عبر اللغة التي ترسل الملكية إشاراتها إلى المواطنين بتنقلات الملك وزياراته لمختلف المناطق والجمعيات للاختلاط بالشعب)، بل إن الملكية أصبحت تستلزم أيضا تعيين الملك لوزير فقير، وسفير فقير، ومسؤولين فقراء، أو على الأقل، من ذاقوا العصيدة ولو لمرّة واحدة، وعرفوا إن هي فعلا باردة، أم ساخنة..؟



