المنبر الحر | الطالب المغربي في الخارج بين الأمس واليوم

بقلم: ذ. الحسن العبد
تجدر بنا الإشارة أولا إلى تقديم بعض تعاريف كلمة طالب علم، لتتضح لدينا الفكرة عن العلم وأهل العلم، من علماء وطلبة العلم، ولو في الصين، ومعهم المحبين والوالدين، فالطالب بطبيعة الحال هو الذي يطلب العلم، ويطلق عرفا على التلميذ في مرحلتي التعليم الثانوي والعالي (الجامعي): طلاب أو طلبة.
وطالب العلم، حسب المختصين، هو الراغب فيه، الساعي في تحصيل شيء منه، ثم إن طلاب العلم تتفاوت مراتبهم حسب هممهم في الطلب، وملازمتهم له، وفهمهم فيه.
وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله به طريقا إلى الجنة)) (رواه مسلم)، ويكفيه شرفا أن الحيتان في قيعان البحار والمحيطات والوديان ومعها النمل تستغفر له خلال رحلته العلمية، لما لها من فضل على المجتمع.
لكل هذه الأسباب، دأب المغرب على إرسال بعثات طلابية إلى خارج الوطن، بكبريات الجامعات والمعاهد العليا بالغرب والشرق، لأخذ العلم والتزود من كل المعارف والخبرات والمهارات المطلوبة لخدمة الوطن.
ومما جاء في مجلة “رسالة المغرب” التي بدأ صدورها سنة 1942: “كان السلطان مولاي الحسن الأول، أول من أرسل البعثات إلى أوروبا لتعلم اللغات الغربية والتدرب على أساليب التعليم والتثقيف وخوض غمار الحياة العصرية، فبين سنتي 1887 و1890، أوفد عدة بعثات مركبة من نحو 33 طالبا من أهم المدن المغربية إلى فرنسا وإنجلترا وإيطاليا وألمانيا”، وبطبيعة الحال، توالت البعثات الطلابية بعد ذلك إلى الخارج، شرقا وغربا، وخاصة مع الطلبة المغاربة الأوائل الذين حصلوا على شهادة البكالوريا قبل الاستقلال، وكنت تجد أغلبيتهم بعاصمة الأنوار باريس، وربما هذا هو الجيل الذي يصطلح عليه بجيل الرواد، الجيل المؤسس للحركة الوطنية .
ومع توالي السنوات، كانت وزارة التربية الوطنية والتعليم ببلادنا، تسلم منح متابعة الدراسات العليا بالخارج للطلبة الحاصلين على نقط التفوق بأقسامهم، في غياب كلي لأي زبونية أو محسوبية، بل يكفي الحصول على النقطة الأولى في الباكالوريا لتستحق المنحة، وكنا مجموعة من تلامذة ثانوية مولاي رشيد بفاس، قد تفوقنا باستحقاق لنلتحق بجامعات فرنسا، فمن الطلبة من عاد لبلاده محملا بشواهد عليا، ومنهم من لم يتأقلم مع أجواء الغربة فرجع توا إلى حضن الوطن ودفء الأسرة، ومنهم من بقي بأرض المهجر كغيره من مغاربة العالم، يشغل وظيفة أو يدبر حاله مع الأحوال ولا يحل بالمملكة إلا كزائر عندما تتاح له الفرصة. وبما أن المنحة لم تكن تكفي لسد كل الاحتياجات، فكان الطلبة يشتغلون ليل نهار لسد الحاجيات ومتابعة الدراسات والأبحاث.
وبطبيعة الحال، لم يكن الطالب المغربي في الخارج بالضرورة من أسرة مغربية ميسورة، بل كانت سبعينات القرن الماضي تتميز بالمغامرة مع حب المعرفة والبحث عن الذات، فالعلم هو الأساس بغض النظر عن انتمائك الطبقي، إلا أنه في السنين الأخيرة، سيشهد المغرب نزيفا حادا في هجرة العقول والأدمغة، وبدأت الأسر المغربية في قتال مع كل الظروف الصعبة لتوفر للأبناء والبنات على السواء، الشروط الضرورية والمناسبة قصد الهجرة ليس فقط للدراسة بالخارج، ولكن لتدبير الأمور وإيجاد سبيل العيش في البلد المضيف، بكل دول العالم بدون استثناء، وذلك بطبيعة الحال مع استحالة وجود عمل مناسب بعد التخرج من الجامعات والمعاهد والمدارس العليا وغيرها، ويبقى الهدف لدى الجميع هو “طرف ديال الخبز” بكرامة ما دامت الوظائف قد قلت وظروف العيش صعبت، فالأصل فيها “مستقبل الوليدات” كما يقول المغاربة، “مهما كلف الثمن ولو بغرق الوالدين على شرفهم في الكريديات وبيع الممتلكات”، والأصل فيها طلب العلم ومعه الرزق ولو في الثلث الخالي من الدنيا، لكل هذه الأسباب، تبقى عيون معظم المغاربة وقلوبهم مع كل حدث يخص العمل والمباريات والوظائف ببلادنا، واسألوا الطالب الباحث عن لذة البحث وعناء وشقاء الخطوات المادية والمعنوية في تحقيق الرغبات، فاعذروا طالب العلم والوظيفة واعدلوا في تقديم وجبات التوظيف.



