المنبر الحر | العرب والحرب الأوكرانية والانقلاب على الغرب

بقلم: نزار القريشي
إن التدخل الأجنبي الغير مقبول في معظم الأراضي العربية، والذي اتضح جليا على الأرض الليبية والسورية واليمنية والعراقية واللبنانية، يلغي سلطة تنفيذ السيادة من قبل هذه الدول على أراضيها عكس ما هو متعارف عليه دوليا، إذ تعني السيادة سلطة الدولة داخل حدودها، وحرية التصرف داخل هذه الحدود، غير أن مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي روجت له إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق، بوش، والذي بلورته استخبارات البنتاغون بتنسيق مع “سي. أي. إي” من خلال برنامج الفوضى الخلاقة “الربيع العربي” وقبله في أوكرانيا بتفعيل نفس البرنامج ضد الرئيس الشرعي فيكتور يانوكوفيتش سنة 2014.
وفي هذا السياق، فإن كتلة هذه الأحداث هي النتيجة المنطقية للخطوة والحركة التصحيحية التي أقدم عليها العرب متحدين في تعاملهم مع الغرب، وما اتضح من خلال موقفهم من داخل منظمة “أوبيك+”، فالتدخل الأجنبي داخل البلاد العربية، وما يحدث في ليبيا وسوريا واليمن والعراق ولبنان كما حولنا إبرازه في مقدمة هذا الموضوع، هو ما يفسر النظرة العربية تجاه كل من إيران وتركيا وفرنسا وبريطانيا وأمريكا، والسلام البارد مع إسرائيل، حيث تعمل هذه الدول على تخريب وحدة الدول العربية المذكورة، وعرقلة نهوضها.
وبالتالي، فإن الوقاحة السياسية المتمثلة في تصفية الحسابات العسكرية بين الدول الأجنبية على الأراضي العربية واستباحة سيادتها، بلغ أقصى حدود الصبر، الشيء الذي بات معه أمرا غير مقبول ومرفوض من طرف دوائر القرار العربية وشعوبهم، فهذه التدخلات السافرة تلغي مبدأ أن الدول متساوية في السيادة، وهو ما ينذر ربما بتنشيط دور جديد للخلايا الإرهابية المتطرفة التي قد يغذيها هذا التدخل الغربي في البلاد العربية، فاللعبة الجيو-سياسية للغرب، والتي يبني عليها استراتيجياته الدولية، قد تدفع – كما نحذر منه – بالجماعات الإرهابية المتطرفة بالبروز على سطح المواجهة والأحداث.
فهذه الفوضى “الخلاقة” حسب التعبير الأمريكي، والسيئة الذكر حسب تعبيرنا العربي، إن استمرت، فمن المؤكد أنها ستنتقل إلى أوروبا وأمريكا وستشتعل اشتعالا رهيبا، إذ أن نموذج حركة “السترات الصفراء” بفرنسا، وما تلاها من احتجاجات في أمريكا بعد قتل المواطن الأمريكي جورج فلويد، تؤكد أن قواعد اللعبة باتت مكشوفة، وأن الجماعات الإرهابية قد لا تصمت أمام ما يجري، وأن أراضي الغرب قد تصبح قاعدة أهداف متحركة لهؤلاء المتشددين.
ولن يوقف هذا المد الإرهابي المحتمل، حسب مؤشرات الغضب لدى الإسلاميين المتطرفين في العالم العربي، سوى عودة ليبيا موحدة، وسوريا كذلك، واليمن أيضا، وأن يصبح العراق خاليا من التدخل الأمريكي والإيراني والتركي، ولبنان خال من الفوضى.
من جهة أخرى، فإن الموقف العربي تجاه الحرب في أوكرانيا، قد يتطور إلى موقف أكثر صرامة من داخل “أوبيك+”، ما يعني إنهاكا لاقتصاد أوروبا والغرب عموما، والذي قد يمتد لعقود وقد يتطور أيضا إلى موقف انقلابي على الغرب، وذلك في انتظار الاختبار القادم للصين في بحرها الجنوبي، وخاصة إذا سيطرت بكين على تايوان، وأطاحت بحكم تايبي.
هذا، وكما إذا انتصرت روسيا في حربها ضد “الناتو”، حيث سيجد الغرب نفسه أمام عالم آخر وجديد، وقد تعود معه البلاد العربية إلى وضع دول ذات سيادة، إذ ستنتهي هذه الفوضى “الخلاقة” ولا ضرر لنا في ذلك إذا كانت ستنتهي بهزيمة الغرب أمام روسيا والصين.
إلى ذلك، فإن المطلوب من الدول العربية، الاستفادة من الوضع الدولي الراهن والعمل على استثماره على نحو جيد، بترتيب الأولويات الرئيسية وفق الإرادة العربية-العربية والمصالح العربية-العربية، وكذا بنبذ واضح وصريح للتدخل الأجنبي الذي يستهدف تقسيم البلدان العربية وزرع الفتن بينها.



