المنبر الحر

المنبر الحر | الزواج.. من ميثاق غليظ إلى أبغض الحلال

بقلم: ذ. الحسن العبد

    وصف الله عز وجل عقد الزواج بأنه “ميثاق غليظ” كما في سورة النساء آية 21: ((وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا))، والميثاق الغليظ، كما يقول العلماء، هو ما أخذ الله تعالى للنساء على الرجال، بمعنى إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، وليس أبلغ من التعبير القرآني العظيم بحسبهم في وصف علاقة الزوجية بكونها الميثاق الغليظ، وبما تعنيه الكلمة القرآنية من بلاغة وروعة من العهد والقوة والتأكيد الشديد لأهمية الحفاظ عليه والوفاء به، وفي هذا المضمار، يذكر الباحث والداعية الإسلامي مصطفى البدري، بعوامل نجاح الحياة الزوجية، وبعظمة هذا الميثاق، من وجهة نظره، حيث تتجلى هذه العوامل في تعظيم شأن الزواج ووضعه في مكانته اللائقة به، لأن أكثر المشكلات العائلية وأغلب حالات الفراق والطلاق منشؤها من الاستهانة بقدر الزواج، ومتطلبات العشرة الزوجية.

تتمة المقال تحت الإعلان

وإذا كان كثير من الفقهاء قد قدّموا الزواج على نوافل العبادات، فإن بعضهم بلغ به الأمر إلى تقديمه على فرض الحج لمن يملك مالا يكفي لأحدهما فقط، وهذا كاف لبيان أهمية ومكانة شأن الزواج عندهم.

تتمة المقال تحت الإعلان

إن البيوت المؤمنة السعيدة – كما يقول الدكتور بدر عبد الحميد هميسة – هي التي تُبنى على المودة والرحمة، وإن دمار البيوت يبدأ من جفاف المشاعر، فيجب المحافظة على أجواء البيوت هادئة ومستقرة، وأن تكون معينا متجددا للمودة والحب والدفء والحنان، ولنا في بيت سيد ولد آدم أحسن مثال على الإطلاق للبيت السعيد، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((خيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِي)) (أخرجه ابن ماجة)، وبطبيعة الحال، لن يسعد الزوجان وتستقر أحوالهما إلا بالرحمة وتبادل أواصر الود والمحبة مع الصبر والتحمل، فالميثاق الغليظ يقتضي الصبر والرضا والتضحية منهما معا لأجل العيش الطيب، لكن للأسف الشديد، أبغض الحلال عند الله يشد كل الأنظار إليه، حيث نلاحظ جميعا في السنوات الأخيرة تسونامي الطلاق، كما جاء على لسان بعض الإعلاميين المغاربة الذين يحذرون من أخطاره على المجتمع المغربي ككل، بشكل خاص، فمحاكم المملكة تغص بملفات الفراق وقضايا الطلاق، وتكفي إطلالة على الإحصاءات الرسمية لوزارة العدل، لمعرفة حدة هذه الظاهرة المخيفة التي بسببها تتشتت أسر ويتشرد أطفال وتحطم بيوت وتضمحل بنية المجتمع وتماسكه.. فما هي يا ترى الأسباب الكامنة وراء هذا الارتفاع المهول لحالات الطلاق إلى مستويات تنذر بالخطر وبكل العواقب الوخيمة ببلادنا؟ هل تنحصر تلك الأسباب في الجانب المادي، أم تتعداه إلى ضعف التحمل والصبر عند الطرفين معا، وتأثيرات السوشل ميديا السلبية، بما فيها من نشر غسيل الأسر علانية أمام العالم من هفوات ونكبات، وغياب المسؤولية لدى الزوجين معا، وتدخل الأبوين، وطغيان التهور والاستهتار بالشرع والحقوق الزوجية.. و.. و.. إلخ؟ فما هي الحلول المتاحة أو المقترحة للحد من هذه الظاهرة المشينة؟

تتمة المقال تحت الإعلان

لكل هذه الأسباب جميعا، ولأسباب أخرى، يتزايد القلق ببلادنا، نظرا للارتفاع المهول لنسبة الطلاق، يقول محمد ماموني علوي: “تسجل المملكة المغربية سنويا عددا لافتا من حالات الطلاق أرجعه علماء الاجتماع إلى تفكك الروابط الأسرية والزوجية، حيث لم يعد ينظر إلى الزواج على أنه رابط مقدس كما في الماضي، بينما أرجع فقهاء القانون ذلك إلى مدونة الأسرة، ولا سيما المسطرة الجديدة للتطليق، وهي الطلاق للشقاق، وقال الفقهاء إنه منذ تطبيقها ارتفعت حالات الطلاق بشكل مقلق”، هذا مع العلم أن النصوص الدينية تؤكد على كراهية الطلاق، فأبغض الحلال عند الله هو الطلاق.

إن الهدف من الزواج هو بناء أسرة متماسكة، هو تكوين ذرية صالحة، هو المساهمة في إيجاد النسل الطيب، هذا من أهداف الزواج، فإذا انتهى الزواج بالطلاق، فإن هذا يؤدي إلى خلاف الأهداف المرجوة من الزواج.

ويقترح بعض الخبراء ببلادنا، وكذا ببعض الدول العربية والإسلامية الأخرى، بعض الحلول العملية الكفيلة للحد من هذه الظاهرة الخطيرة التي انتشرت بكل الأقطار بالوطن العربي، على وجه الخصوص، ويأتي في مقدمتها، غرس أهمية وقدسية رباط الحياة الزوجية في ثقافة الأطفال التربوية، بتخصيص مادة دراسية تهدف إلى تربية الفرد تربية صالحة في كل مسالك ودروب الحياة، ليس فقط التربية الأسرية في شقها المادي الصرف (التنمية البشرية، والحياة الاجتماعية)، لكن إعداد الفتى لدور الزوج والأب، وإعداد الفتاة لدور الزوجة والأم، بل يرى بعض الخبراء العرب أيضا، ضرورة إجراء دراسة ميدانية للظاهرة بمشاركة مختلف الجهات المعنية، من وزارات وهيئات حكومية، ومن المجتمع المدني، ووضع الحلول اللازمة لعلاجها، وذلك لتفادي وقوع حالات طلاق جديدة، هذا بالإضافة إلى ضرورة حل المشكلات بين الطرفين أولا بأول، الأمر الذي يقي من الطلاق ويمنع التراكمات والمشاحنات بين الزوجين كي لا تنفجر حياتهما في أي لحظة، وأيضا تقليل التكاليف المبالغ فيها للزواج، والتي تكبل الزوجين بالديون في بداية حياتهما الزوجية وتزيد من الخلافات بينهما.

وختاما، لن نستطيع الحد من هذه الظاهرة والتخفيف من وطأتها إلا بتحضير الوازع الديني، وتقديم النصائح لكل المقبلين على الزواج لتجنب الفشل، والحد من التدخل في الحياة الزوجية للغير مهما كانت القرابة أو الصحبة للتحكم في نوعية حياة العروسين ظنا منا بأننا نساعدهما على التفاهم، في حين أننا لا نعمل إلا على بث الفرقة والتباعد والفراق فيما بينهما، كما أن الأسر الثرية مطالبة بعدم التهور في البذخ الزائد “المعيق” وصرف الأموال الباهظة في الأعراس، الشيء الذي يؤثر على باقي الطبقات فتلجأ إلى البنوك وتتثقل كاهلها بالديون، فتتشنج الأمور بين الزوجين وفي الأخير يقع أبغض الحلال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى