المنبر الحر

المنبر الحر | التعديل الحكومي بين تنبؤات الصحافة الفرنسية وتقاليد الدولة المغربية

بقلم: عبد العالي عبد ربي

    منذ أن تنبأت مجلة “جون أفريك” بتعديل وزاري قريب، حددت المستهدفين منه في كل من وزير العدل ووزير التعليم العالي المنتميين لحزب الأصالة والمعاصرة، أصبح الشغل الشاغل لوسائل الإعلام عندنا، بمختلف تلاوينها وأشكالها وانتماءاتها، مهللة بهذا الصيد الثمين الذي صادته صحافة ماما فرنسا، كما أصبح همّ المتدخلين والمحللين، وما أكثرهم، هو الكشف عن خبايا مزعومة في الخبر، والغوص في تفاصيله، وتفسيره وتأويله، وربما التنبؤ بمزيد من ضحايا هذا التعديل المنتظر، والكل بات لا ينتظر سوى التوقيت الذي سيتم فيه تنزيل التعديل المزعوم، بل منهم اعتمادا على ما تم نشره، وضع سيناريوهات باحتمال سقوط وجوه أخرى، والأنكى من ذلك في السيناريوهات التي تنبأت بدخول أطراف أخرى الحكومة لم تمنحها صناديق الاقتراع تلك الإمكانية.

تتمة المقال تحت الإعلان

وهكذا فقد ربط البعض التعديل بغضبة ملكية محتملة نزلت على رأس الوزيرين المستهدفين، وهو ما جعل معاول التنقيب والبحث تغوص في أعماق التاريخ البعيد للرجلين، متحدثة مرة عن تسريب تسجيل صوتي للأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة، وزير العدل، انتقص فيه من قيمة العدالة باحتمال معالجة قضايا بطرق غير تلك المتعارف عليها، كما لم يسلم زميله في الحزب من الإشارة إلى ملفات فساد محتملة سبق أن أثارتها بعض المنابر الإعلامية، لكن الغريب في كل هذا وذاك، أن لا أحد من المحللين والمفسرين والمهللين والمتحدثين تساءل عن صحة الخبر ومصداقيته، والذي في وقته ردده الجميع على أنه الكلام الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، لم لا؟ دون استحضار صيغته التي ورد عليها في المجلة المذكورة، ولا سوابق الصحافة الفرنسية في إخلافها الموعد في خرجات مماثلة، ولا حتى الظرفية المطبوعة بتوتر العلاقات بعد إصرار فرنسا على رفض منح التأشيرات لعدد من المغاربة.. هذه الأمور وغيرها تجعلنا نخرج ببعض الملاحظات، نجملها في الآتي:

تتمة المقال تحت الإعلان

1) غلب النقل على تناول الصحافة المغربية لهذا الخبر، وذلك بالاكتفاء بما أوردته المجلة من معطيات دون التساؤل عن صحة ما تم نشره، علما أن من أهم مبادئ العمل الصحفي، التأكد بما وصل الإعلامي من أخبار من مصادرها الطبيعية، وهو أمر إن تم كان سيغني الخبر بمعطيات لم يوردها المصدر الأول. ولعل ما يدفع إلى هذا الاتجاه، هو الصيغة التي أوردتها المجلة الفرنسية من إغفال للإشارة لمصدر الخبر، والاكتفاء بالإشارة إلى “معلوماتنا” وهي صيغة أبعد ما تكون عن المهنية، أو على الأقل، تدفع إلى الشك في صحة الخبر.

تتمة المقال تحت الإعلان

2) مما يدفع إلى التشكيك في محتوى الخبر، ربطه باجتماع سري جمع رئيس الحكومة بمستشار الملك، فكيف نتحدث عن اجتماع سري سُربت نتائجه؟ فعن أي سرية تتحدث المجلة، اللهم إذا كان الأمر يتعلق إما بضرب في مصداقية الرجلين وهما رجلا دولة يحترمان تقاليد التعاطي مع اللقاءات التي تُعقد بعيدا عن أعين الكاميرات، أو بضرب من تحت الحزام؟

3) التجربة أبانت أن مثل هذه القضايا المرتبطة بالسيادة الوطنية لا يتم الإخبار بها إلا عبر وسائل الإعلام الرسمية، فحين تجد غيابا تاما لخبر التعديل المحتمل في قصاصات وكالة المغرب العربي للأنباء، وفي الإذاعة الوطنية وعلى شاشة قناة الأولى، فلا يمكن التعامل مع الخبر على أنه صحيح، وقد يقول قائل أن وسائل الإعلام الرسمية تقدم الخبر بعد وقوعه، وأن باقي الوسائل اعتماد على وسائلها الخاصة وقربها من مطبخ القرارات، يجعلها تتنبأ بالأمر قبل حدوثه.

بناء عليه، فإننا نشير لهؤلاء إلى سوابق نفس المجلة حين تنبأت بتعديلين في عهد حكومة بن كيران، ومن بعده العثماني، فأخلفت موعدها بتحقيق سبق صحفي، وذلك لأنها لم تدرك أن “الدولة المغربية لها منطقها وتقاليدها في تدبير التعديلات الحكومية، التي قد يتم التراجع عنها حين يتوقع الإعلام حدوثها بالتفاصيل” كما أشار المحلل السياسي، عمر الشرقاوي في تدوينة له.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى