المنبر الحر

المنبر الحر | أي جودة في التربية لمواجهة متطلبات الحياة في ظل العولمة ؟

بقلم: ذ. الحسن العبد

 

تتمة المقال تحت الإعلان

    أصدر وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، شكيب بنموسى، المقرر الوزاري الخاص بتنظيم السنة الدراسية 2022-2023، ويتضمن تاريخ الدخول المدرسي بالمغرب بمختلف الأسلاك التعليمية الثلاثة: السلك الابتدائي والسلك الثانوي الإعدادي والسلك الثانوي التأهيلي، إضافة إلى أقسام التحضير لشهادة التقني العالي وأقسام التربية غير النظامية، وقد انطلق الموسم المدرسي يوم الخميس فاتح شتنبر 2022 وينتهي في الأسبوع الثاني من شهر يوليوز 2023، حيث تنطلق الدراسة ويلتحق التلاميذ بالأقسام الدراسية بشكل فعلي يوم الإثنين 5 شتنبر 2022.

تتمة المقال تحت الإعلان

وإذا كان الموسم الدراسي الخاص بالسنة الماضية قد انطلق تحت شعار: “من أجل نهضة تربوية رائدة لتحسين جودة التعليم”، فإن موسم هذه السنة الدراسية ارتكز على الشمولية والكمال واتخذ شعار: “من أجل مدرسة ذات جودة للجميع” كمنطلق للرفع من مستوى التعليم.

تتمة المقال تحت الإعلان

تواجه التربية في عصرنا هذا مواقف صعبة للغاية، وخاصة بالوطن العربي والإسلامي، بحيث أن مجتمع المعلومات، كما يرى جل التربويين، يفتقد إلى نظرية اجتماعية قادرة على تلبية مطالبه المتعددة، ومن هنا كان لابد – بحسبهم – من بلورة رؤية فلسفية جديدة للتربية لمواجهة المتغير المعلوماتي، وخلق مبدأ تربوي يتخذ من “الجودة الكاملة للجميع ذات المنتوج التلاميذي النهائي الخالص بصفر خطأ”، شعارا له.. إنها الصناعة المدرسية التي تتوخى من التعلم الغايات الأربع التالية: تعلم لتعرف، تعلم لتعمل، تعلم لتكون، وأخيرا تعلم لتشارك الآخرين.

وإذا كان بعض الباحثين والمنظرين المغاربة الكبار قد ربطوا شعار تحقيق الجودة للجميع بالتركيز على القيم العقلانية ودورها الكبير في تأكيد مكانة الإنسان في نظام المجتمع، كما هو الشأن عند السوسيولوجي المغربي الخمار العلمي، الذي يؤكد أنه “لا جدوى من أي إصلاح تربوي ما لم ينطلق من رؤية شمولية تجعل من المدرسة فضاء للحياة والتربية على قيم الاحترام، ولا مستقبل لأي وطن بدون توافُر رصيد أدنى من القيم الإنسانية البنَّاءة كالتسامح، قبول الآخر، والتضامن، ورفض القيم المُدَمِّرة كالكراهية، العنصرية والانتهازية”، فإن تربويين آخرين، وبعض الأساتذة الممارسين، يرتكزون على المبدأ الإيماني في التربية، بترسيخ الإيمان بالله في ظل التربية الإنسانية التي تدعم وحدة الجنس البشري، والمساواة بين شعوب العالم، والأخوة والسلام والتعاون الدولي، وهم بذلك يتمسكون بخير ما في الماضي للذات (التأصيل بفلسفة دينية أخلاقية وعقلانية روحية) في صلته بالحاضر للغير (التحديث بقيم عقلانية) والمستقبل

(التأصيل والتحديث)، بقراءة جديدة لثقافتنا وثقافة غيرنا التي تحتاجها مجتمعاتنا في مرحلة حيرتها القلقة بين ثنائية الذاتية والغيرية لبناء مشروعها الحضاري المنتظر، المشروع الذي يكشف عن مخزون الذات وينير سبيل الانفتاح في الآن نفسه على الآخر.

إن الغاية القصوى – كما يقول الدكتور الخمار العلمي – هي السعادة، بالمساهمة في خير المجتمع، وتكاد تتفق معظم الآراء على أن الغاية الأساسية من التعلم هي المعرفة “تعلم لتعرف”، ومن هنا يظهر جليا أن مبدأ التربية للعلم هو الأصل “اقرأ فاعلم.. “، لأن الأصل في التربية هو ترسيخ العلم لدى المتعلم بأدب ومودة واحترام كمنهج ومحتوى، والإسهام في البحث العلمي لنعمل ونشارك، وندعو إلى الله، فنسعد، ولا يمكن لنا تحقيق هذه الغايات إلا إذا كنا فاعلين في الواقع لا منفعلين ننبهر بسياقات حضارية أخرى دون القيام بأي فعل تربوي هادف كما يذهب إلى ذلك بعض المنظرين التربويين.

إن مبدأ تحقيق “الجودة للجميع” ببلادنا في مجالي التربية والتعليم للحصول على منتوج تلاميذي قيمي فاعل، ونافع (إنساني بربانيته، صالح مصلح)، في نظر منظرينا ومؤطرينا التربويين ومعهم باقي الباحثين المختصين، يلح علينا بشدة لتبني تربية جديدة لا ترتكز فقط على القيم العقلانية الغيرية والفلسفة الدينية الأخلاقية الذاتية، بل تتعداها إلى التربية على قيم القراءة “اقرأ”، و”التربية على قيم الجودة” ((إِنّ اللَّهَ تَعَالى يُحِبّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلاً أَنْ يُتْقِنَهُ) (عن عائشة رضي الله عنها)، و”القيم اللغوية”، و”قيم التفوق والإبداع”، و”قيم البناء الاجتماعي والإنساني”، وذلك بالتعلم بالفعل (الممارسة) والتعلم النشط (العمل بالمجموعات)، والتربية على القيم الفكرية والقيم الروحية، والتربية على البناء الحضاري، والتربية الدولية، والتربية على القيم الكونية، والقيم الصحية والبيئية والسياسية، ولأجل تربية عصر المعلومات، يبقى من الضروري التوازن بين مثالية الأمس وبراغماتية اليوم (النفعية)، أي التوازن بين المعرفة المجردة والخبرة العلمية، فيتسنى لنا بذلك التوفيق بين مطالب الفرد ومطالب المجتمع بدون أن نفقد خصوصيتنا كأمة القرآن، بانخراطنا في عمومية الكلي، لأنه وبدون شك، فحضارتنا وثقافتنا العربية تتمتعان بقدر هائل من التسامح يتطلبان – كما يقول أحد التربويين – الاهتمام باللغات الأجنبية إلى جانب لغة الضاد، واستغلال الوسائط المتعددة والأنترنيت لأجل معرفة العالم، ولتجنب كل عائق أمام فهمنا للآخر، وفهمنا بالتالي لذواتنا.

ختاما، ولتحقيق جودة التربية للجميع، يجب علينا أن ننمي مهارات وقدرات التلاميذ والتلميذات، بالتعليم العمومي، العصري والعتيق، وبالخصوصي معا، على التواصل اللغوي بالقراءة والكتابة والشفاهة والاستماع، وبالأخص في اللغة العربية، مرتكزين على حلقات للحوار والنقاش إلى جانب الإلقاء لتعلم الدعوة إلى الله بعلم وللعمل بهذا العلم كعقيدة وحضارة بشراكة لنعيش سعداء جميعا بما ارتضاه لنا العليم الحكيم، بديع السماوات والأرض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى