المنبر الحر | قراءة في الخطة الحكومية لتكوين جيل جديد من الأساتذة

بقلم: محسن زردان
“المعلم الجيد لتعليم جيد”.. مقولة متداولة في أدبيات إصلاح النظم التعليمية عبر العالم، ويبدو أن الحكومة المغربية الحالية انخرطت في استلهام هذا التوجه، لإعطاء صورة إيجابية عن النية الأكيدة والرغبة الملحة في إعطاء ملف التربية والتعليم الأولوية القصوى للإصلاح، في وقت قد تصير فيه هذه الخطوة بمثابة صيغة لمخرج يرفع عنها الحرج ويسد الطريق على المنتقدين، المتهمين إياها بإخلاف وعودها الانتخابية المتمثلة في تحسين الوضعية المادية لرجال التعليم بشكل يرفع من أجورهم إلى الحد الأدنى الموازي لما يتقاضاه أساتذة التعليم من الدرجة الأولى.
هي إذن، خطوة إصلاحية تعترف من خلالها الحكومة بمحدودية التكوين الذي يخضع له الأساتذة، وتزداد قناعتها بضرورة مسايرة ركب التطور للنظم التعليمية الدولية التي رفعت من شروط ولوج مهنة التدريس إلى مستوى دراسي يعادل درجة الماستر.
هذا الإجراء جاء في سياق تعليمي مشحون يحفل بإضرابات مستمرة للأساتذة أطر الأكاديميات “المتعاقدون”، وما يخلفه من هدر للزمن المدرسي وضرب لشعار جودة التعليم.
هذه الفئة من الأساتذة كانت ضحية لسياسة سد الخصاص وللحلول الترقيعية التي تنطلق من منطلق إعطاء الأولوية لإيجاد أعداد كافية من الأساتذة من أجل ضمان التلميذات والتلاميذ مقاعدهم في الفصول الدراسية بغض النظر عن احترام المعايير المطلوبة أو عدم احترامها، لا فيما يخص الشروط العلمية والبيداغوجية في انتقاء الأساتذة، ولا فيما يتعلق بطبيعة التكوين الذي من المفروض الخضوع له.. ففحوى هذه الخطة الإصلاحية الممتدة لخمس سنوات بغلاف مالي يقارب أربع مليارات درهم، تتمثل في سعيها لاستقطاب وانتقاء الطلبة المميزين للولوج إلى كلية علوم التربية وخضوعهم للمعارف الأساسية للمواد المدرسة لثلاث سنوات، ثم بعد ذلك الولوج للمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين لمدة سنة كاملة للتزود بالمناهج التعليمية الديداكتيكية والطرق البيداغوجية للتدريس، تعقبها سنة ختامية تطبيقية تتخللها سلسلة من التداريب داخل حجرات المؤسسات التعليمية.
هذه الرؤية المنسجمة في تصوراتها والمتسقة في غاياتها، تصطدم مرة أخرى بصخرة واقع التنزيل، وتطرح مجموعة من الملاحظات..
بداية، هل يمكن القول بأن هذه الخطوة هي إعلان رسمي عن نهاية التوظيف المباشر البعيد كل البعد عن التكوين المتين، أم أنها مجرد إجراء ظرفي مرتبط بسياق زمن سياسي محدد لصيق بطبيعة الحكومات المتعاقبة التي تتبنى كل واحدة منها سلوك القطيعة مع سياسة سابقاتها، مما يضفي غموضا مستمرا على الرؤية الاستراتيجية للدولة تجاه خطط الإصلاح التي من المفترض أن تتبع مسارا موحدا عوض خضوعها لأهواء وتقلبات التيارات الحزبية والنقابية؟
هذا الطرح يجد مبرراته في توالي الخطط الإصلاحية المتداخلة في توجهاتها منذ الاستقلال، المتعثرة في بلوغ عنصر الالتقائية في مساراتها، حتى أصبح المرء يجد صعوبة بالغة في التفريق بدقة بين حزمة مسميات من قبيل البرنامج الاستعجالي، الرؤية الاستراتيجية، المشاريع ذات الأولوية، القانون الإطار، ومشروع إعادة صياغة النظام الأساسي(…).
هذه الخطط الإصلاحية – على كثرتها – من المفروض أن تصل لمرحلة من النضج الذي يقتضي خضوعها للتقييم أولا قبل الشروع في الانتقال لمشاريع جديدة، وهو الذي لا يحصل وتتم تغطية ذلك بتضخيم المؤشرات وسلك سياسة إعلامية ترتكز على الاستعراض.
هو تخبط يمكن أن يُدخل النظام التعليمي المحكوم أصلا بنظامين اثنين مختلفين في متاهة نظام آخر يؤدي إلى تفريخ فئة جديدة قد تزيد في استفحال التطاحن الفئوي للجسم التعليمي، وتتحول في الأفق القريب إلى مشروع تنسيقية فئوية جديدة بمطالب مختلفة بشكل يوازي سقف طموحاتها.
عندما تستدعي الخطة الجديدة معايير التفوق والتميز لاستقطاب خيرة الطالبات والطلبة، هل بالموازاة مع ذلك سيكون بمقدور الدولة توفير مسار مهني بتحفيزات مالية محترمة تضاهي مثيلاتها في ميادين الطب والهندسة، أم أن الأمر سيبقى على حاله ولن يتم استقطاب سوى الشريحة المتبقية التي لم تتمكن من ضمان مقاعد لها بالمعاهد العليا الأكثر إغراء وتحفيزا؟
ولوج التعليم كان متنفسا للعديد من خريجي الجامعات من شعب مختلفة، وبالتالي، فهذا الإجراء يضرب في الصميم الإقبال على ولوج شعب الآداب وكذا العلوم الإنسانية والعلوم الحقة والقانونية والاقتصادية والاجتماعية التي ستجد هامش تحركها يضيق ويتقلص في غياب بدائل ممكنة، وهو ما يجعلها مشتلا لليأس وهدرا الوقت وتفريخا لأفواج من العاطلين.
ثمة من يرى أن المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين التي تلف وضعيتها وهوية انتمائها ضبابية منذ الإعلان عن ولادتها، وخصوصا بعد فصل التكوين عن التوظيف، تسعى للالتحاق بالتعليم العالي، لكن الواقع يفيد بأنها ما زالت رهينة وتابعة للأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين وتتنازع فيما بينها الاختصاصات، إذ يُستشف أنها ليست مؤهلة للعب هذا الدور الجديد ما دامت الأطر المكونة لم تخضع للتكوين اللازم الذي يضمن تلقين مناهج ومقاربات حديثة للإصلاح، علما أن هذا المخطط سيبدأ العمل به في مطلع السنة المقبلة، حسب ما أفادت به خارطة الطريق الحكومية.. فهل هذه الخطوة الحكومية هي مقدمة الطريق في أفق إحداث مركز التميز لمهن التدريس كما جاء في توصيات تقرير النموذج التنموي المغربي، كآلية لتحسين وتأمين الجودة والسهر على تأطير ومواكبة مؤسسات التكوين الحالية المكلفة بتكوين مهنيي التعليم، مع الحفاظ على استقلالية كل مؤسسة من مؤسسات التكوين؟
إذا كان دور التعليم الخصوصي يتعاظم سنة بعد أخرى وتتسع خريطة انتشاره في ربوع المملكة، فما هو موقعه من هذا المخطط؟ وهل سيكتفي بالاستعانة بخدمات الجيل الجديد من الأساتذة من القطاع العمومي في غياب مساهمته ولو بدرهم واحد في تكوينهم، أو الاقتصار على ما هو معمول به واستقطاب فئة من المدرسين الغير خاضعين للمعايير الجديدة لاستقطاب الأساتذة، وترك الأمور تتخبط في الارتجالية بدعوى حرية المنافسة؟
من جهة أخرى، ما موقع هيئة التفتيش والمراقبة التربوية من هذه الخطة الجديدة والتي أبدت مؤخرا امتعاضها وتوجسها من نوايا الوزارة الوصية تجاهها في المشروع الإصلاحي المتعلق بإعادة صياغة نظام أساسي جديد، حيث أعلنت – في بيان لها عبر نقابتها – عن تنديدها لمحاولة تقزيم مهامها واختصاصاتها، علما أن ثقل حضورها في أي عملية إصلاح يعتبر محوريا في إنجاح خطط واستراتيجيات الوزارة؟
كلها تساؤلات تلقي الضوء على العديد من محاور التفكير التي من الممكن مواجهتها في طريق الخطة الحكومية لتكوين جيل جديد من الأساتذة، والتي نتمنى صادقين أن يحالفها التوفيق لتجد طريقها نحو بلورة ثورة حقيقية للنهوض بمجال التربية والتعليم.



