المنبر الحر

المنبر الحر | المسار الصعب للإصلاح في العالم العربي (1)

بقلم: بنعيسى يوسفي  

    يبدو أن مدخلات الإصلاح في العالم العربي كثيرة ومتعددة وحظوظ نجاحها لا زالت قائمة إلى حد الآن، شريطة اقتحام أسوارها بكل شجاعة وجرأة.

تتمة المقال تحت الإعلان

فصحيح أن المجتمعات العربية لم تستفد بالمرة من كل المشاريع الفكرية والسياسية الإصلاحية التي أطلقها وبلورها مفكروها ومثقفوها قديما وحديثا، على الرغم من أنها كانت تنضح بأفكار وتصورات وبرامج ووصفات حقيقية، لو أخذ منها حكام العرب والمسلمين النزر اليسير لاستطعنا اللحاق بالأمم المتقدمة، ولتخلصنا من شرنقة التخلف التي لازمتنا منذ قرون وتأبى الفكاك، وللأسف الشديد، لم يحصل ذلك والأسباب عديدة ومعروفة، لكن من جهة أخرى، بمقدور هذه الشعوب أن تستفيق من سباتها ذات يوم وتنخرط في الإصلاح المطلوب وتحقيق التطور والتغيير المنشودين، لأن دورة التاريخ تقول ذلك، والتجارب التاريخية على مر العصور تثبت ذلك، فلا يمكن أن يشكل العالم العربي الاستثناء طال الزمن أو قصر.

تتمة المقال تحت الإعلان

لقد مرت تجربة ما سمي بالربيع العربي، إلا أنها لم تحقق المبتغى ولا الأهداف التي كانت مسطرة من ورائها بفعل العديد من المعيقات التي قيل فيها الكثير، لكن تبقى على الأقل مرجعا مهما وتجربة نضالية تاريخية بكل المقاييس لأبناء هذا الوطن العربي في المستقبل إذا هم أرادوا العودة إلى الحراك ثانية، والاستفادة من أخطاء الماضي، وتأسيس مشروع فكري يمكن أن يشكل أرضية للتغيير بكل ما تحمله الكلمة من معنى، مكفول ومتاح لذوي الاختصاص من كبار المثقفين والمفكرين، مغاربة وعرب على السواء، والذين راكموا تجارب عديدة وعايشوا محطات حاسمة من تاريخ مجتمعاتهم وعاصروا أحداثا وتطورات حصلت في هذه المجتمعات، وتثاقفوا مع ثقافات أخرى غربية وغيرها، هؤلاء بإمكانهم صياغة وبلورة مشاريع فكرية تقوم بتشريح الأوضاع الراهنة التي تمر منها المجتمعات العربية واجتراح حلول موضوعية لها، لكن يبدو أن الشروع في هكذا عمل، لم يعد يستهويهم، لا لشيء إلا لاعتقادهم المبدئي والراسخ بأن ذلك لن يفيد في شيء، وأن الفشل سيكون من نصيب هذه المشاريع الفكرية كما حدث لسابقتها، وإن كان هذا المبرر حقيقة لا يقنع الكثيرين ممن يعتبرون ذلك نوعا من التهرب أو التملص لهذه الفئة من المسؤولية الاعتبارية الملقاة على كاهلها بحكم الأدوار الكبيرة التي يمكن أن تلعبها في اعتقاد هؤلاء، التي ترسخت في أذهانهم والتي تبدو مقتنعة بأن قيادة التغيير لا يمكن أن تأتي إلا من هذه النخبة المثقفة، وغيرها غير أهل لذلك، بحكم العديد من المعطيات والخصوصيات التي تنفرد بها على مستوى التنظير والتأطير والتفكير والقيادة والزعامة والجرأة، والقدرة على المواجهة والإقناع وقس على ذلك، وإن كان هذا الأمر حقيقة في الوقت الراهن يحتاج إلى نقاش وتمحيص وتوضيحات كثيرة من منطلق سؤال: هل لا يمكن أن يأتي التغيير المنشود إلا مع هذه الفئة المثقفة، أم أن هذا التصور تم تجاوزه ليستقر الأمر على أطراف معينة دون الاستناد بشكل أو بآخر على النخبة المثقفة؟

تتمة المقال تحت الإعلان

على كل حال، يبقى هذا سؤال مطروحا للنقاش وتبادل الآراء والأفكار حوله، خاصة وأننا نلاحظ اليوم أن المثقف العربي يعيش حالة من العزلة والانزواء والابتعاد أكثر عن هموم وانشغالات المواطن العربي المتعاظمة إلى حد أمست الهوة بينهما شاسعة وسحيقة، وحتى حينما عرفت البلاد العربية موجة من الحراك، وقف العديد من المثقفين مذهولين حيال ما يحدث غير مصدقين، والذين انخرطوا بشكل متأخر فيه وجدوا الركب قد فات، واسترجعت الأنظمة التقليدية زمام الأمور، وقد سقنا هذا المثال للاستدلال أكثر على ما ذكرناه آنفا عن البون الشاسع الذي بدأ يفصل المثقف العربي عن الواقع الذي يعيش فيه، هذا إضافة إلى خسارة المثقف العربي تقريبا لكل المعارك التي خاضها من أجل التغيير وضد الاستبداد، و”الهزائم الفكرية” التي تلقاها على مر السنين جعلته يعيش وضعية نفسية مزرية ولدت لديه حالة من “المناخوليا” أو “السويداء” التي تعني العجز عن إنهاء حالة الحداد والعجز عن قبول الفقدان التي يحياها، فلا أحد ينكر أن الأمور تتطور بسرعة مذهلة، والمجتمعات العربية تتغير، وسلطة الأنظمة الحاكمة بالعالم العربي هي الماسكة بزمام الأمور، لكن هذا كله لا يبرر خفوت صوت المثقف في هذه المجتمعات بهذه الطريقة، ونعتقد أن هذا الجفاء وهذا التوجس الحاصل بين الأنظمة الحاكمة في العالم العربي والمثقف العربي حاليا، لا يخدم أيا من هما، فإذا كان هاجس الإصلاح الحقيقي يراود الأنظمة الحاكمة في العالم العربي حفاظا على الاستقرار والأمن على الأقل فيه، وصناعة مجتمع واعي ومثقف قادر على تحقيق ذاته وتنميتها، نؤكد أنه من الضروري استرجاع الثقة المفقودة بينها وبين المثقف على الرغم من حالة الوهن التي يجتازها، فالمثقف العربي ليس كله شرا حتى تخشى منه ومن كتاباته أو خرجاته، ومن دون شك لا يمكن لهذه الثقة أن تعود إلا بالعودة إلى الأسس المرجعية التي تعطيها مفهومها الحقيقي، هذه الأسس المرجعية التي تحدث عنها المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد في كتابه “المثقف والسلطة”، وأيضا المفكر المغربي علي أومليل في كتابه “السلطة الثقافية والسلطة السياسية”، هذا دون أن نغفل طبعا المقالة القيمة التي نشرها المفكر المصري المعروف سعد الدين إبراهيم، والتي أثارت حينذاك جدلا واسعا في الأوساط الفكرية والسياسية العربية، وهي في موضوع “تجسير الفجوة بين المثقف والسلطة”، فكل كتابات هؤلاء المفكرين وغيرهم، هي التي قعدت وأسست لطبيعة العلاقة التي يجب أن تسود بين المثقف والسلطة، عدا ذلك لا يمكن الاعتداد به إلى حد بعيد، ويجعل هذه العلاقة شكلية فقط، فمما لا يدعو مجالا للشك، أن ما ذهب إليه هؤلاء المفكرين هو مستوحى من الشكل الذي تأخذه هذه العلاقة في الدول الديمقراطية الغربية، حيث لا يخفى على أحد أن الثقافة في المجتمعات الغربية لعبت دورا مهما في تكريس الفكر الديمقراطي في المجتمع، ولنتذكر أن مسيرة الثقافة الحديثة في أوروبا والغرب لم تنفصل عن المسيرة الديمقراطية في هذه البلدان، ولم يحدث أن سجلت قطيعة بالمفهوم العلمي بينهما، بل على العكس، كانت الديمقراطية دائما تجد سندها في الثقافة وفي المثقف عامة بشكل تكتنفه الثقة المتبادلة إلى حد القول أن “الثقافة هي الإكسير الذي تقتات منه الديمقراطية”.

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى