المنبر الحر | الأبعاد الظاهرة والباطنة في التأهل لنهائيات كأس العالم لكرة القدم

بقلم: محسن زردان
عندما يضطر ملايين البشر عبر المعمور، لتخصيص أوقات مهمة من حياتهم، وفي أحيان كثيرة، ترك أغراضهم ومشاغلهم والاستسلام أمام التلفاز، أو التزاحم على أبواب الملاعب لمشاهدة مقابلة في كرة القدم، فلا بد أن الأمر جَلَل ويحتاج لوقفة متأنية لمعرفة خبايا الكرة المستديرة وأبعادها التي تتجاوز الشق الرياضي والترفيهي.
تأهل المغرب لنهائيات كأس العالم المنظمة بقطر 2022، كانت فرحة لا توصف، غمرت الكبير والصغير، الفقير والغني، حتى باتت مصائب “كورونا” ومثالب لهيب الأسعار، شيئا هامشيا في حُكم النسيان.
من يدرك التلاعب بسيكولوجية الجماهير يعلم بأن كرة القدم لها الأثر البالغ في التأثير على المزاج العام، وبذلك هي مناسبة للرفع من معنويات المجتمع وإدخاله في نشوة مؤقتة يختلط فيها الترقب والانتظار والجري وراء انتصار قد يأتي أو لا يأتي.
هي أداة من أدوات توجيه سلوكيات المجتمعات للتنفيس عن واقع مأزوم وتفريغ طاقتها لرسم صور الاحتفال في الشوارع، بدل الخروج للتظاهر والمطالبة بالحقوق وتغيير الأوضاع، وهو بذلك، انتصار كروي رياضي يغطي ويتستر في أحيان كثيرة على باقي إخفاقات الرهانات المرفوعة لخطط التنمية في شقها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي.
التأهل إلى المونديال يزن ذهبا في ميزان الساحة الدبلوماسية الدولية، به تلمع الأنظمة صورتها، وعليه تمتطي القوى السياسية حصان طروادة، وعلى هديه يُبنى وَهْمُ التفوق، وفي ظله تصنع نجوم وأساطير المال والترفيه.
لذلك قد يفهم لماذا يتسابق زعماء ورؤساء الدول، وشخصيات السياسة والفن والرياضة، لملء الصفوف الأمامية في المباريات الإقصائية الحاسمة سعيا للتماهي مع نشوة الفوز الجماعية وربح درجات الانخراط في صنع الانتصارات والأمجاد الوطنية والقومية الخالدة؟
وقد لا نستغرب، عندما نرى روسيا المنخرطة في حربها مع أوكرانيا، تثور ثائرتها بمجرد إقصائها من مباريات التأهل لكأس العالم المزمع تنظيمها بقطر، فأقامت الدنيا ولم تقعدها، وما زالت تحاول الحضور في هذا المحفل العالمي، لأنها تدرك قوة تأثير شعبية كرة القدم على صورة الدول.
على أي حال، يمكن القول بأن الظرفية الصعبة التي يمر منها العالم، تسعى فيها جل الدول إلى اقتناص مثل هذه التظاهرات العالمية، واستغلالها أحسن استغلال على كل الجوانب.
المغرب كان له ما أراد، واستطاع التأهل لمونديال قطر، وسيدخل تاريخ كرة القدم كأحد الممثلين الخمسة للقارة الإفريقية، وهو إشعاع دبلوماسي قل نظيره، فالحضور هو في حد ذاته ترويج لصورة الدولة في بقاع العالم، وإرسال رسالة للموالين والخصوم في القدرة على كسب الريادة ومقارعة الكبار في ساحة الرياضة، والتباهي بتسلق سلم الارتقاء لمراتب أفضل.
هي إذن، خطوة مهمة في رفع أسهم المغرب في المحافل الدولية، وتسويق صورة براقة عن الحضور الدائم، لكسب ثقة المجتمع الدولي كدولة قطعت أشواطا مهمة في طريق التنمية، ومؤهلة لاحتضان أرقى التظاهرات الدولية، ونموذج للدولة الإفريقية الأكثر استقرارا.
لذلك ليس من السهل تهييئ مشهد ختامي للتأهل على أرضية ملعب كبير مكتظ بالجماهير في احتفالية مميزة تعطي الانطباع، سواء في الداخل أو الخارج، على الانسجام والتناغم بين ما هو رياضي وتنظيمي ومجتمعي وانصهار أغلب فئات المجتمع للوصول إلى مبتغى الفوز.
عندما يُصبح المغرب قبلة مفضلة للعديد من المنتخبات الإفريقية لاحتضان مقابلاتها، فذلك اعتراف صريح بربح رهان استراتيجية الاستثمار في مجال البنيات التحتية، وبالتالي، كسب ود العديد من الدول الإفريقية التي تُفضل التحالف والانحياز لبلد يتوافق مع مصالحها.
التأهل للمونديال للمرة الثانية تواليا قد يحمل إشارات بالغة القوة، ويمهد الطريق للمغرب لترشحه بجدية لتنظيم منافسات كأس العالم لكرة القدم في السنوات القادمة، حينذاك ستكون مرحلة فارقة في تعزيز تنمية البلد على الصُّعُد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والرياضية، خصوصا إذا ما تمت برمجة رزنامة من المباريات بالأقاليم الجنوبية المغربية، فمثل هذا الحدث التاريخي، يساهم في إنتاج خطاب شفاهي ومكتوب يتم تداوله في المجتمع لمدة ليست باليسيرة، ويبقى راسخا لأجيال.
وفي السياق ذاته، يلاحظ أن منسوب خطاب الوطنية يرتفع بمناسبة التظاهرات الكروية وكأنها لصيقة بالرياضة وحدها، فترفع الأعلام الوطنية في كل مكان، ويزداد الإقبال عليها، ويتم تداول اسم البلد وخريطته عبر ربوع العالم.
كرة القدم لها القدرة على تحريك شعور الانتماء للجاليات المقيمة بالخارج وجمع شملها، وخروجها للاحتفال بعواصم ومدن الاستقبال، بل تصدير المواهب لوطنها الأم والمساهمة في صنع إنجازاته وأفراحه.
إنها بمثابة قوة ناعمة استطاع المغرب خلال العقد الأخير، الانخراط فيها بنجاح، من خلال الاستثمار في مقومات بنيتها التحتية وتقوية حضور أنديتها في المنافسات القارية، على الرغم من أن هناك من يرى أن تَكلفتها المادية جد باهظة مقارنة مع الإمكانيات الاقتصادية المحدودة للدولة، بينما هناك من يرى أن تلك التكلفة تبقى منخفضة إذا ما قورنت بوقعها الإشعاعي وتأثيرها الاستراتيجي على صورة البلاد.



