
بقلم: الطيب آيت أباه
يحل شهر رمضان المبارك هذه السنة ولا زالت تداعيات جائحة “كورونا” تخيم علينا مع ما رافقها من صعوبات وما تمخض عنها من أزمات، وبالرغم من ارتفاع تكاليف المعيشة بسبب الحرب الروسية الأوكرانية، وتجاوز أسعار المحروقات مستويات غير مسبوقة، ناهيك عن ظرفية الجفاف القاسية التي يمر بها المغرب، لا ينقطع إقبال الأسر المغربية على التحضير لهذا الشهر الفضيل كما جرت العادة، وإن كان ذلك بمستويات متراجعة مقارنة مع السنوات الفارطة.
قطعا ستشهد وتيرة الإقبال فتورا ملموسا هذه السنة، خصوصا لدى محدودي الدخل لضيق ذات اليد، وهي الطبقة الأكثر تضررا من تداعيات الأزمة الخانقة التي أرخت بظلالها على الهرم الاجتماعي، حتى أضحت طبقتُه الأوسع تضم الطبقة الوسطى والطبقة المتدنية على حد سواء، مع ما قد تشوبها من فوارق اجتماعية طفيفة، ربما لم يعد يفصل فيما بينها على ما هي عليه من جذب وتنافر، سوى عامل القدرة الشرائية المتأرجح بحسب المؤشرات الظرفية المتقلبة والمتلاحقة، مما يعقد عملية الاعتماد على مقاييس تحديد مضبوطة، إلّا أن المشترك الذي لا يمكن للعين أن تخطئه، هو وصول بسطاء كلتا الطبقتين إلى درجة تجرع مرارة الإحباط، جراء عجزهم عن مواكبة الطقوس المجتمعية التي تفرضها مناسبات متتالية من قبيل شهر رمضان.
لقد كان وما انفكّ “كارني مول الحانوت” مثالا بارزا لِقيم النبل والشهامة، وعنصرا أساسيا من عناصر الحماية الاجتماعية بمفهومها الإنساني الأوسع في المغرب، ليس فقط للسواد الأعظم من المواطنين المغاربة، الذين يُتيح لهم التعامل بهذه الوسيلة توفير حاجياتهم من المؤونة الغذائية دون أداء مقابلها في الحين، بل وأيضا لما تكتسيه وتكرسه من شيم التآزر والتكافل والتعاضد بين أفراد المجتمع، لا سيما في ظل تأزم الأوضاع، وانحصار أو شُحّ الموارد المعَوّل عليها لسبب من الأسباب، ومع لجوء فئات من المغاربة إلى المتاجر العصرية المتوسطة والكبرى لاقتناء متطلباتها وتحقيق احتياجاتها المعيشية، لم يتراجع ولا توقف التعامل بـ”الكارني” مع “مول الحانوت”، الذي ظل حاضرا برمزيته الاجتماعية حتى في الأحياء ما دون الشعبية، بل تجاوزها لتشمل رعايتُه إلى حين ميسَرَة، عُسْرَ مَن ضاقت بهم السبل في الأحياء الراقية.
وإذ أتطرق اليوم لمبادرة الفنان رشيد الوالي، فذلك لما ساهَمَت به من إبراز للأدوار الطلائعية التي ما فتئ التجار الصغار يؤدونها بتفان من أجل الحفاظ على السلم الغذائي، ولأنها مبادرة اجتماعية بنفحات فنية، فلم تقتصر على بعث رسائل أيقظت فينا الجانب الإنساني فحسب، بل إنها حركت الكثير من المياه الراكدة تحت الجسور، تلاها ما تلاها من محاولات جبر الضرر، تعززت باتخاذ إجراءات عديدة، تخللتها عيوب هنا وهناك، لانعدام الرؤية السليمة والاقتصار على التدبير المعزول عن الواقع، البعيد عن الاحتكاك المطلوب بأعماق الأوساط المعنية به، إلى أن تُوجت الجهود والنوايا الصادقة في إطار العناية المولوية الكريمة بلمسة سامية، انبثق عنها رسميا مشروع الحماية الاجتماعية، النابع من الحرص الملكي على تحقيق السلم والازدهار.
لعلنا اليوم مطالبون أكثر من ذي قبل بإحياء ذكرى “كارني مول الحانوت” عرفانا بجميل هؤلاء البسطاء من التجار، واقتداءً بالقيم النبيلة التي اختار لها الفنان رشيد الوالي محطة رمضان كمناسبة ربانية متجددة، تحمل في طياتها الكثير من الحِكم، وعلى هذا الأساس أجدد دعوتي إلى كافة المغاربة، من أجل دعم هؤلاء البسطاء في محلاتهم الصغيرة، وطبعا سيتطلب منا هذا الأمر تخفيف التسوق المتزايد من المتاجر العصرية الكبرى، وهذا لن يؤثر بأي شكل من الأشكال السلبية العميقة في مكسب أصحابها، الذين لا ينعكس ارتفاع الأسعار على طبيعة حياتهم، ولا تعرف الخسارة إلى مشاريعهم المتعددة مَنفذا.. سيعوض بعضها خسارة بعض إذا ما سلّمنا أن هناك خسارة في الأصل، بالمقارنة مع أصحاب المحلات الصغيرة المهددة بالاختفاء من الوجود ومن حياتنا بشكل دراماتيكي، تنتهي وتنقرض معها كل تلك الروابط والمشاعر والعلاقات التي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تعوضها المتاجر العصرية، حيث لا شيء يُحتَفَى به ويسود أكثر من الاستهلاك بلا معنى!
بكل صدق، مهما شكرتُ الفنان الوالي على ثقته الغالية، كما على التشريف الذي أحاطني به طيلة مرافقتي له في هذه المبادرة الفريدة من نوعها، فلن أوفيه حقه، ومهما بلَغَ التأفف بصغار التجار من المتاجر العصرية المتوسطة والكبرى، التي تنمو كالفطر بين ظهرانيهم، اكتساحا وطمسا لهويتهم الاجتماعية، فليس من شيء يسيء إليهم أكثر من المنافسة غير العادلة بينهم وبين مستثمرين تتجاوز ثرواتهم المليارات – اللهم لا حسد – غير أنه عند الأزمات واشتدادها، لا أحد يضاهي “كارني مول الحانوت”، وهنا يكمن السر في روعة الحكاية..



