
متى يتم النظر في لغو بعض خطباء وأئمة المساجد الذين لا يجدون حرجا في إطلاق ألسنتهم للتفاهات والترهات وإصدار الفتاوي والبلاوي، والتدخل في أمور وقضايا دنيوية، بفرض آرائهم ورؤاهم الشخصية، أو الغوص في عوالم دينية يجهلونها؟ هؤلاء الذين يتحدثون بلغة “الفقيه العالم”، بأدلة وقرائن واهية، تؤكد ضعفهم الديني وعجزهم عن تقديم دروس الوعظ والإرشاد، وتبرز بجلاء وجه “الأنا” والشطط الديني، الذي يغطي كل ملامحهم، ويحولهم إلى “زعماء إسلامويين”.
ألم ننتبه بعد إلى أنه داخل مجموعة الخطباء والأئمة، فئة تغرد خارج سرب المذهب المالكي، والدين الإسلامي، وأنها تواظب على تقديم “إسلامها الخاص” وكأنها تمتلك بيدها إمارة المؤمنين، تفرض طقوسها الخاصة على المصلين في الجلوس والإنصات، وإعداد مواضيع للخطب لا تسمن ولا تغني لا دينيا ولا فكريا؟

لم ننتبه إلى أن بعض المهووسين باعتلاء المنابر، والعاجزين عن تقديم محتويات دينية في مستوى الحضور من المصلين الذين واظبوا ويواظبون على تنظيم الجلوس وحسن الإنصات.. فبقدر حرص المصلين على الأداء التام لكل طقوس ومراسيم الإنصات للوعظ والإرشاد داخل مساجد المملكة، بما فيها الإنصات لخطبة الجمعة، وبقدر امتثال المصلين للأحاديث النبوية الشريفة، التي توصي وتؤكد على ضرورة تجنب اللغو، والتزام آذانهم وعقولهم بالاهتمام لما يجود به الإمام الخطيب من دروس دينية، بقدر ما تخيب آمال وانتظارات مجموعة من المصلين، فيصابون بالملل والإحباط وهم ينصتون للهراء الديني، ولغو بعض الخطباء، بتناولهم أمورا ومواضيع تافهة، في غياب أي أدلة قرآنية أو سنية.
ألا يدرك هؤلاء، سواء كانوا موظفي الدولة أو يتقاضون أجورهم من جمعيات أو محسنين، أن وظيفتهم تتجلى في كونهم جسورا وقنوات لإيصال المعرفة الدينية، وأنهم ليسوا من صناع تلك المعرفة، ولا من مؤرخيها، ولا يحق لهم الاجتهاد والإبداع في المعرفة الدينية، لأنهم ببساطة يعلمون قبل غيرهم، أن كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار؟
فقد كثر الحديث في أوساط المصلين، عن المستويات الدينية والثقافية والأخلاقية الهزيلة لمجموعة من أئمة وخطباء المساجد، الذين يتخذون مهامهم الدينية مطيات للتموقع السياسي والاجتماعي والثقافي، ومصاحبة ممثلي السلطات والمنتخبين ورؤساء المصالح العمومية، من أجل قضاء مآربهم الخاصة، لا يترددون في فرض أنانيتهم ومحاولة ترسيخ تعاليم وبدع نسجتها مخيلاتهم وأفكارهم ولا وجود لها ضمن التعاليم الدينية، التي يقرها القرآن (دستور الإسلام) وما صح من الأحاديث النبوية، والتي تختلف درجة صحتها باختلاف المذاهب الإسلامية.
للأسف، وإن كان المغرب يتوفر على خطباء وأئمة واعين وملمين بمهامهم الدينية، فإن هناك فئة من خطباء الجمعة يقدمون نماذج لا تستحق الذكر، ضمنهم بعض المتقاعدين من وظائف عمومية ومهن خاصة، قرروا في أواخر أعمارهم اعتلاء منابر الوعظ والإرشاد، بأرصدة معرفية محدودة في الدين واللغة والثقافة والتواصل.
بعضهم تحولوا من مجرد مرشدين ووعاظ وخطباء إلى علماء وفقهاء، لا يترددون في إطلاق ألسنتهم للفتاوي، وقمع المصلين، والتأويلات للأحاديث الدينية والآيات القرآنية، التي تجادل وتعارض بشأن معانيها علماء الفقه والدين، وظلت مفاهيمها موضوع شد وجذب بين الفصائل والتيارات الدينية منذ فجر الإسلام.. فكيف يعقل أن يعلل خطيب جمعة معرفة دينية بأحاديث نبوية غير دقيقة، أو لا وجود لها ضمن الأحاديث النبوية المعتمدة لدى المذهب المالكي، بل كيف يعقل أن يستدل بأبيات شعرية، وحكم وأمثال شخصيات لا تفقه في الإسلام شيئا، بل لم تكن تعرف معنى كلمة إسلام؟
بل الأفظع من هذا وذاك.. أن يقول الخطيب للمصلين: “قال الله تعالى.. وقال الرسول (ص).. وأنا أقول”.. يفرض الخطيب شخصه فقيها، ويجيز لنفسه إطلاق الفتاوي، فتجده يخوض في موضوع ديني تضاربت آراء الفقهاء وعلماء الدين حول صحته من عدمها، ليفاجئ المصلين ويأمرهم باتباع رأيه الشخصي “روى فلان وروى فلان.. وأنا أقول إنه يجب كذا وكذا”.. من أنت لتقول وتفتي؟ فالإسلام قرآن وسنة صحيحة وكفى..
لقد حان الوقت لتنقية وتطهير بعض المساجد من خطباء صلاة الجمعة، الذين يعتلون منابرها أسبوعيا بدون أدنى مستويات دينية وأخلاقية، من أجل ممارسة شطط وسلطة لا أسس ولا ركائز لها داخل الدين والشريعة الإسلامية.
خطباء منحوا لأنفسهم رخص الاجتهاد خارج النصوص الدينية، واظبوا على ترسيخ البدع والفتاوى الشخصية، من أجل فرض تواجدهم ومكانتهم وهيبتهم في صفوف المصلين مستغلين تحريم الإسلام، مجرد اللغو أثناء عرض خطيب الجمعة لخطبته، واكتفاء المصلين بالإنصات والتزام الصمت.
شخصيا، أود لو تم فرض تناوب الخطباء على المساجد داخل نفس المدينة أو الجماعة الترابية، بحيث يمكن لكل خطيب أن يعد خطبة في المستوى ويلقيها كل جمعة بمسجد مغاير، حتى تعم فائدة الخطبة أكبر عدد من الناس عوض أن يبقى لكل مسجد خطيب، ومعظمهم يأتون نفس المساجد كل صلاة جمعة، بحصة ساعتين في الأسبوع.
أود لو أن منابر المساجد فتحت للمهندسين والأطباء والمدرسين، وغيرهم من الكفاءات والطاقات، التي يمكن أن تتنافس في تقديم خطب تجمع بين المعرفة الدينية والمطالب الدنيوية، وتزيد من قيمة اللغة العربية، التي يراد مسحها من كل المعارف الدنيوية.
بعد كل هذا.. ألا يحق لنا نحن المصلين أن نطلق حملة “من لغا من الأئمة والخطباء فلا خطبة له” حتى نساهم في تنقية وتطهير منابر المساجد؟
ليس وحده لغو بعض الخطباء ما يؤرق المصلين، ولكنهم محبطون من كون بعض الصفات الحميدة المفروض أن يرتديها الإنسان في حله وترحاله، لا نسمع بها إلا داخل المساجد، من قبيل “استووا واعتدلوا يرحمكم الله”، ارتبطت أساسا بالمساجد، حيث يرددها الأئمة مع بداية كل صلاة من أجل دفع المصلين إلى رص الصفوف والخشوع والإنصات إلى درجة أن من المصلين من لا ينتظمون إلا بعد سماعها، ومنهم من يسارعون عند إقامة كل صلاة، إلى التحسيس بها بمحيطهم وكأنهم يسمعونها لأول مرة، فيما بات آخرون ينتظرونها بلهفة وشوق كلما هموا للصلاة، ويعتبرونها إعلانا يسبق إقامة كل صلاة جماعية.. تلك الصلاة (الكتاب الموقوت)، التي لا أحد استفاد من صفحاتها من أجل ترسيخ ثقافة الاستقامة والاعتدال خارج المساجد، حيث الانحراف والانحلال والتسيب والتسلط والشطط.. لا أحد استوعب أن الخشوع داخل المساجد يبقى ناقصا ما لم تصاحبه وتلازمه سلوكات إيجابية موازية في كل مناحي الحياة.. تلك الكلمات ارتبطت أساسا بالعبادات تم إلصاقها بالشأن الديني وحرمات المساجد إلى درجة أنها فقدت معانيها الكبرى، حيث كان من المفروض والواجب أن تكون شعارا يحمله المغاربة والمسلمون في كل حركاتهم وسكناتهم، وأن تتجسد مفاهيمها في كل تصرفاتهم، لا أحد يدعو إلى الاستقامة والاعتدال عند توظيف أموال الشعب، وبرمجتها في مشاريع واهية أو تافهة، ولا أحد يدعو إلى الاستقامة والاعتدال عند فرض منطق الولاءات واعتماد أساليب الزبونية والمحسوبية في توزيع ثروات البلاد، وانتقاء الرجل أو المرأة المناسب(ة) للمكان المناسب، لا أحد يفكر في ترسيخ معاني الاستقامة والاعتدال ورص الصفوف وتفادي التزاحم عند ركوب الحافلات والقطارات وسيارات الأجرة وولوج المستشفيات، ولا عند الرغبة في استخراج وثائق إدارية أو الاستفادة من خدمات إدارة عمومية أو خاصة.. فلو ترسخت مفاهيم الاستقامة والاعتدال ورص الصفوف في عقول وقلوب المسؤولين ببلادنا، لقطعنا أشواطا كبيرة في التنمية، ولقطعنا كل القطع مع أساليب الغش والتلاعب، ولتمكنا من زرع مشاتل وبذور الثقة والتلاحم بين الدولة والشعب المغربي الطيب السموح.. لو علمنا أن الرحمة تجوز على الميت وقبله الحي، وأن هؤلاء الذين يسعون إلى الحصول على الرحمة من الله، عليهم أن يرحموا من في الأرض، لخرجنا من المساجد في نظام وانتظام واعتدال واستقامة.. همنا تنقية وتطهير البلاد ولم شمل العباد، وهمنا الأكبر، التأكيد أن تلك الدقائق التي نقضيها بالمساجد ساجدين وراكعين، نناجي خلالها الذات الإلهية، تبقى عبادة نظرية في حاجة إلى التطبيق الفعلي.. فكيف السبيل إذن إلى فرض استقامة واعتدال الشعوب الإسلامية وأنظمتها، وفرض الاقتناع بأنهما يمثلان جسدا واحدا، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى؟ كيف السبيل لكي نستوعب أن تنمية ونهضة الدول تفرض تواجدهما جنبا إلى جنب، وأن الأنظمة تخرج من صلب الشعوب، وصلاحها أو فسادها مرتبط بسلوكات وثقافات وقيم تلك الشعوب؟ كيف السبيل لوقف احتكار الشأن الديني من طرف هيئات ومجموعات ومنظمات سياسية واجتماعية وحقوقية، ومحاولات الركوب على قواعده وأسسه لتسخيرها من أجل خدمة أجندات خاصة بأعضائها؟ هؤلاء الذين يتصيدون الفرص والمناسبات من أجل الظهور بمظاهر العالمين والعارفين ورواد الفتاوي همهم الوحيد القيادة والريادة والتموقع وقضاء مصالحهم الشخصية، تراهم داخل المساجد مرشدين ومؤطرين يقدمون النصائح والشروحات، يفرضون ما ترسخ لديهم من أعراف وعادات وطقوس وعقائد، صحيحة أو خاطئة، على كل من جاورهم في الجلوس أو الصلاة أو الذكر.. ينقلون أمراض العظمة والتسلط التي أصابتهم في حياتهم اليومية إلى داخل المساجد، حيث الأجواء خاصة بالشعائر الدينية والأسبقية للفقه الإسلامي وفقهائه.. هؤلاء الذين ينتحلون صفات الأمين والفقيه والواعظ والحقوقي والسياسي والمحسن و… يغيرون جلابيبهم بتغيير الأمكنة والمناسبات والفئات البشرية المحيطة بهم.. لهؤلاء أقول: استووا واستقيموا وتراصوا واعتدلوا رحمكم الله، سواء كنتم داخل المساجد أو خارجها، لأن تسوية الصفوف من تمام الفوز برخاء الدنيا ونعيم الآخرة.. أفلا تتعظون ؟



