المنبر الحر | معضلة المراحيض العمومية ببلادنا.. أية مرافق لأية حاجة ؟

بقلم: ذ. الحسن العبد
إذا ما نحن رجعنا، كباحثين محبين متتبعين لشؤون بلادنا برمتها، ولكل الأمور الخاصة والعامة التي تدور بهذا العالم من حولنا، إلى كل التعاريف التي يقدمها الدارسون والمهتمون عن كل المرافق العمومية وما يدور في فلكها، وعن دور المراحيض العمومية وحيويتها (موضوع وتيمة مقالنا هذا)، سنجد اتفاقا كليا عند الجميع على كون دورة المياه غرفة أو مبنى به مراحيض متاحة للاستخدام من قبل عامة الناس، وعادة ما يتم فصل المراحيض العامة إلى مرافق للذكور ومرافق للإناث، وتُعرف المراحيض العامة بالعديد من الأسماء الأخرى، حسب البلد، الأمثلة هي: دورة المياه، والحمام، وغرفة الرجال، وغرفة النساء في الولايات المتحدة، والحمام في كندا، والمراحيض، وخزانة المياه، وبيت الماء (مرحاض)، ونعود بالله من الخبث والخبائث..
فتجد بعض المراحيض العامة مجانية، بينما يتقاضى البعض الآخر رسوما، في الحالة الأخيرة، يُطلق عليهم أيضا اسم مراحيض الدفع وأحيانا يكون بها باب دوار بالدول الغربية، أما لدينا، فعادة ما تجد حراسا لهذه المرافق الحيوية.
وفي مقال له بإحدى الجرائد، يوضح محمد الراجي، الذي استوحينا من كلامه الكثير، هذه المعضلة التي تخص قضية المراحيض ببلادنا كالتالي، باستفاضة كبيرة: “تعاني أغلب المدن المغربية، بما فيها المدن الكبرى والسياحية، من خصاص كبير على مستوى دورات المياه العمومية، إذ لا تولي المجالس الجماعية اهتماما لهذه المرافق رغم أهميتها الكبرى، باعتبارها جزء أساسيا من البنية التحتية للمدن، وباعتبارها أيضا ضرورة كما تؤكد على ذلك منظمة الأمم المتحدة…”.
حقيقة، فقضية المراحيض العمومية هذه تؤرق بال الجميع وتهم الجميع بدون استثناء، التبول والغائط ضرورة بيولوجية يومية وقد تتعدى المرة والمرتين لدى البعض، ناهيك عن المرضى شافاهم الله، ففي القديم كان بالقرب من كل مسجد مرحاض عمومي كبير لمرتادي المساجد وللعموم، وفي فترة الاستعمار، تم إنشاء عدة مراحيض بالمدن لقضاء الحاجات البيولوجية للناس، أما اليوم، فيصعب علينا العثور على مراحيض بالأزقة والشوارع، فالرجل أحيانا يضطر إلى طلب مشروبات من المقاهي كعذر لقضاء حاجته، لكن كيف الحال عندما نكون مع أسرنا في الشارع!؟
لذلك، نرجو أن ينتبه كل المنتخبين، وباقي المسؤولين الإداريين والمستثمرين النجباء، ومعهم المحسنين، لهذه المسألة الضرورية، وأن يقوموا بإنشاء مراحيض عمومية للمواطنين والمواطنات لوضع حد لهذه المشكلة العويصة والمعضلة الكبيرة، وربما يتفضل رجال الأعمال ويستثمرون في هذا المجال بأثمنة تناسب قضاء الحاجة، مثلا “التبول بخمسين سنتيما والغائط بدرهم” ويجعل الله البركة والأجر.
وقد نشرت الهيئة الأممية كما يقول محمد الراجي، تقريرا بمناسبة تخليد اليوم العالمي لدورات المياه (19 نونبر)، أكدت فيه أنه ((لا بد أن تكون لدى الجميع مرافق صحية مستدامة، إلى جانب مرافق المياه النظيفة وغسل اليدين، للمساعدة في حماية أمننا الصحي والحفاظ عليه ووقف انتشار الأمراض المعدية الفتاكة، مثل فيروس “كورونا” و”الكوليرا” و”التيفويد”)).
والخطير في الأمر كله، كما يرى الدارسون، هو أن عدم إيلاء المجالس الجماعية ببلادنا اهتماما لتوفير دورات مياه عمومية، يجعل الأشخاص يصرفون حاجاتهم الطبيعية في الهواء الطلق، ما يخلق مناخا ملوثا، علاوة على المشاهد المقززة للفضلات البشرية التي لا تسلم منها حتى جنبات المآثر التاريخية، فحذاري من آهات الجميع، ومن وقفات جمعيات البيئة والنظافة، ومن نداء كل المنظمات الإيكولوجية، وأخيرا من انتشار الفيروسات الخبيثة.
ونختم بقول أيوب كرير، رئيس جمعية “أوكسجين للبيئة والصحة” كما يقدمه مقال محمد الراجي: “إن عدم توفر أغلب المدن المغربية على مرافق صحية عمومية مدعاة للخجل”، مضيفا، في تصريح صحفي: “لك أن تتخيل شعور سائح كان يتجول في المدينة ولم يجد مكانا لصرف حاجته الطبيعية.. إنه أمر مخجل جدا بالنسبة إلينا”، فجمعية “أوكسجين للبيئة والصحة” وجهت نداء، بمناسبة اليوم العالمي لدورات المياه، إلى المتدخلين في هذا المجال من أجل إنشاء وتوفير مراحيض عمومية نظيفة ولائقة، باعتبار المرحاض ليس فقط مجرد مرحاض، بل هو منقذ للحياة وحامي للكرامة وحق طبيعي للإنسان”، وفضلا عن ذلك، أكدت الجمعية المذكورة، أن “دورات المياه العمومية هي من المرافق العمومية الضرورية التي تُقاس بها جاذبية المدن، وتساهم في تجنب انتشار الأوبئة والعديد من الأمراض المعدية والفتاكة، مثل كوفيد 19 والكوليرا والتيفويد، وبالتالي، حماية صحة المواطنين وبيئتهم والانتقال إلى المدينة المستدامة”.
وخلدت الأمم المتحدة اليوم العالمي لدورات المياه هذه السنة تحت شعار: “الصرف الصحي المستدام وتغير المناخ”، ودعت إلى اتخاذ إجراءات لمعالجة أزمة الصرف الصحي العالمية، وتحقيق الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة، الذي يُراد منه إتاحة المياه وخدمات الصرف الصحي للجميع بحلول عام 2030.
واعتبر أيوب كرير، أن “توفير المراحيض العمومية في المدن المغربية يجب أن يكون من المسلّمات، من أجل ضمان استدامة المدن والحفاظ على البيئة من التلوث، وبالتالي، حماية الصحة العامة للمواطنين”.
وتذهب بعض الأصوات إلى اعتبار أن الثقافة السائدة في المجتمع المغربي لا تساعد على إنجاح مشروع تعميم دورات المياه العمومية، بسبب “غياب ثقافة الأداء مقابل قضاء الحاجة الطبيعية”، لكن هذا المبرر غير مؤسس وغير منطقي، فهذه الثقافة موجودة عند البعض، ولكن لا يمكن تعميمها على الجميع، والدليل أن الناس الذين يدخلون إلى المقاهي لقضاء حاجتهم يدفعون مقابل ذلك، ومن المؤكد أنهم لن يمانعوا في الدفع إذا استفادوا من مراحيض جيدة ونظيفة.



