المنبر الحر | التربية المتكاملة قبل التعليم الأولي

بقلم: عثمان محمود
وجد التعليم الأولي موطئ قدم له ضمن المراحل التعليمية الأخرى التي تحظى برعاية تسيير الوزارة الجديدة الوصية على القطاع، في سابقة هي الأولى من نوعها طيلة مسار الحكومات المتعاقبة، وهذا طبعا لا يعني أن ذلك التعليم لم يكن له تواجد فعلي، بل كل ما في الأمر، أنه لم يكن معمما، فرياض الأطفال ظلت في السنوات الأخيرة في تزايد مضطرد، وهي تستقبل على الخصوص في المدن، الفئة العمرية بين ثلاث وست سنوات، ومع انتشار المدارس الخاصة أنشئت داخل هياكلها العامة هاتيك الرياض، كما لا ينبغي إغفال أمر الكتاتيب القرآنية التي طالما لعبت دور التعليم لهذه الفئة العمرية قبل التحاقها بالمدارس العمومية. أحببت الإشارة إلى هذه النقطة بالذات وأنا أمني النفس بألا يسير من عهد إليهم الإشراف على هذه المرحلة الدراسية، على نفس النهج الذي سارت وتسير عليه رياض الأطفال، حيث أغرقت الطفل في عالم الدرس والتحصيل، ولا شيء غير ذلك، فالغالبية العظمى من تلك الرياض تخضع الأطفال لمقررات شاملة، وإن كانت أولية فهي مكثفة، حيث تعلم أكثر من لغة، فضلا عن الحساب والأنشطة ذات الطابع العلمي والتربية الإسلامية والرسم، كما أن الحصص تكون موزعة بشكل يغطي ساعات بعينها على مدار الأسبوع، ولا ننسى الواجبات المنزلية، في إجهاد واضح للطفل الذي يحشر وسط قاعات بها الكراسي والطاولات، وهو المفطور على الحركة، المجبول على السأم كلما وجد نفسه مرغما على فعل شيء لا يرغب فيه.. من هنا وجب على المخططين لوضع الدعائم الثابتة لتعميم التعليم الأولي، ألا ينصرف اهتمامهم إلى وضع مناهج ومقررات تزيد من إرهاق كواهل الأسر ماديا، وتدخل الأطفال قبل الأوان في دوامة التحصيل المتعب وسط الفصول الدراسية والمنازل، فيحرمهم ذلك من الاستمتاع بالطفولة، التي لا عذوبة لها بدون حركة دؤوبة ولعب بريء يفرغ الطاقات، ويسهم في الانفتاح على المحيط، والاحتكاك بالأقران، فلتنصب جهود أولئك المخططين إذن، على إعداد مربين ومربيات إعدادا جيدا يؤهلهم إلى تنشئة هذه الفئة العمرية تنشئة سليمة بدنيا ونفسيا وعقليا، في جو تسوده العفوية وتشمله الحرية التي تضبط جموحها اللامسؤول التوجيهات والإرشادات التي تزرع القيم النبيلة، في ظل روح جماعية تشملها المحبة والصدق والتعاون والإخلاص والاهتمام العملي بالمحيط الذي تتواجد به الجماعة داخل الفصل أو الساحة أو سيارة النقل المدرسي، ووسط كل ذلك، تعطى المبادئ الأساسية للتعلم في غير تكلف وإرغام من شأنه أن يبعث على النفور، أو يجعل الطفل يأخذ تلك المبادئ مغلوطة أو مشوهة.
إن الفئة العمرية التي يستهدفها التعليم الأولي، فئة عمرية مهمة تنتزع من قلب الأسرة، وهي لا زالت في حاجة ماسة إلى مزيد من التربية والرعاية المسؤولة. فلتواصل المدرسة إذن، العمل على إعدادها الإعداد اللائق الذي يقدم التربية المتكاملة على التعليم المكثف، الذي يسهم في تقوس ظهور الأطفال في وقت مبكر، ويجعلهم يعتادون على أخذ القلم بين الأصابع بطريقة خاطئة تسيئ في المستقبل إلى اليد والخط معا! كما على التربية المرجوة لهذه الفئة العمرية، أن ترسم الخطوط العريضة السليمة للتعامل المثمر مع شاشات الأجهزة الرقمية تربية وتعلما وترفيها بدون إساءة إلى الأبدان والعقول والأنفس.



