المنبر الحر

المنبر الحر | مفارقات كأس إفريقيا الكاميرون 2022

بقلم: محسن زردان

    انطلقت منافسات كأس إفريقيا للأمم لكرة القدم بعد متاهات من التأجيل، اختلطت فيها أسباب انتشار جائحة “كورونا” وأخواتها، وكذا عجز الدولة المستضيفة عن الالتزام بالتزاماتها التنظيمية، وصعوبات توفير البنيات التحتية من منشآت رياضية وطرقية وفندقية ولوجستيكية، بسبب تداعيات الجائحة في تأزيم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.

تتمة المقال تحت الإعلان

ربما سيطرح المواطن الكاميروني البسيط، كباقي مواطني البلدان المنظمة سالفا، سؤال: ماذا سيجنيه من هذا التنظيم في الوقت الذي يعيش فيه صعوبات جمة تبدأ من مشاكل في الوصول للشغل والسكن، مرورا بضعف التطبيب والتعليم، وصولا إلى تدهور مؤشرات التنمية؟

تتمة المقال تحت الإعلان

هل إنجاح تظاهرة كروية يعكس نجاح المجتمع في النهوض بمستويات معيشته، وتحسين مؤشرات تنميته، أم أن الأمر ينطوي على سراب خادع لا يعدو أن يكون نشوة نفسية عابرة تطمح لتحويل الفوز بلعبة، إلى نصر وطني وقومي، تحاط به هالة من الأساطير الدونكيشوتية؟

تتمة المقال تحت الإعلان

واقع الحال يفيد أن فقه الأولويات، لم يعد صامدا أمام القوة المالية المغرية للعبة، في جذب واستمالة ملايين البشر ومعها عائدات الإشهار والتسويق للمنتجات الاقتصادية.. فكيف يمكن تفسير تظاهرة كروية قارية تجري في حضور نسبي ومحدود للجماهير وفي عز انتشار الجائحة، هل هو دليل على أن الجمهور الحي الحاضر في المدرجات ليس مبتغاها الأول، بل اهتمامها الأبرز هم مشاهدو القنوات التلفزية ومختلف الوسائط الاجتماعية الأخرى التي تدر أموالا طائلة، لتأخذ بذلك لعبة كرة القدم الطريق للتحول بدورها إلى لعبة أقرب إلى لعب العالم الافتراضي؟ وهل يعني ذلك أن عالم المال والاستثمار مستعد للتضحية بصحة الشعوب التي أخفقت بعض دولها، خصوصا في إفريقيا، في توفير حتى اللقاحات اللازمة، في مقابل إنجاح منافسة رياضية تجلب المال والأرباح للشركات؟

في اعتقادي الشخصي، يمكن تصوير لعبة كرة القدم كلعب الكازينو، الكل يقامر من أجل أن يربح شخص واحد في آخر المطاف، ويخسر الباقون، حتى الذي ربح لا تكتمل نشوته، لكونه يعلم في أعماقه بأنه ربح على حساب إفلاس الآخرين.

القارة الإفريقية تحاول أن تضع لها موقع قدم في خريطة اللعبة العالمية، بتبني خطوات مختلفة عن باقي الاتحادات القارية وكأنها تسعى محتشمة لإثبات وجودها وتسجيل خصوصيتها من خلال برمجة كأس إفريقيا لكرة القدم في شهر يناير كل سنتين، محدثة زوبعة من احتجاجات الفرق الأوروبية التي تحتضن في صفوفها محترفين من جنسيات إفريقية، ترى في ذهابهم لمنتخباتهم خسارة لفرقها.

هذه التظاهرة تدور على أراض إفريقية، بلاعبين أغلبهم مهاجرون يعيشون في قارات أخرى، درسوا ونشئوا وتكونوا في مجتمعاتها، لكنهم لم يستطيعوا استلهام فكرهم وعقليتهم لتوظيفه واستثماره في إعانة منتخباتهم على الفوز ولو مرة واحدة بكأس العالم، مما يعطي الانطباع بأنها منافسة من الدرجة الثانية.

المغرب يشارك كعادته في المنافسة، كعملاق في عدد المشاركات وكقزم في عدد التتويجات، التي لم تتجاوز فوزا وحيدا في سبعينيات القرن الفائت، لكنه أيضا يتألق كأبرز المنتخبات التي تخصص ميزانية خيالية لتغطية مصاريف تلك التظاهرة.

صرف تلك الأموال يرجع إلى دور هذه الرياضة في تلميع صورة السياسة، والتغطية على الخيبات في جل المجالات، وإلهاء الشعوب عن الاهتمامات الحقيقية التي تقيس صلب المعيشة ومستقبل البلاد والعباد.

الحاصل، أن لعبة كرة القدم بدأت تخرج من صورة الرياضة الأكثر شعبية إلى رياضة نخبوية، بعد سيطرة الرأسمال عليها، واحتكار بيع حقوق بث مبارياتها، الذي لم يعد متاحا لشرائح واسعة من الشعوب، وهو ما يتناقض مع الأهداف التي ترفعها الجامعة الدولية لكرة القدم في سعيها لتوسيع ممارستها ونشرها على نطاق واسع على أسس المساواة ونبد التمييز.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى