المنبر الحر | بنموسى.. قرار غير منصف ورد مؤسف
بقلم: بوشعيب حمراوي
حقيقة، تحفظت كثيرا بعد حمل شكيب بنموسى لحقيبة التربية الوطنية، بالنظر إلى رصيده كمسؤول حكومي ودبلوماسي سابق، لأن من سبق له أن حمل حقيبة وزارة الداخلية يصعب عليه إدارة وزارة بمنطق الليونة والتشاور والتوافق وتبادل النصيحة، وقد سبق أن شغل نفس المنصب وزير سابق في الداخلية، ويتعلق الأمر بمحمد حصاد، الذي أعفي قبل أن يتمم سنته الأولى.
تحفظت على بنموسى لكون عمله السابق كسفير للمغرب بفرنسا، لا شك سيرسخ له ميولا كبيرا لتوطيد التبعية التعليمية الفرنسية، التي يسعى المغاربة إلى التخلص منها، باعتبار أن لغة الدولة المحتلة سابقا، لم تعد لها قيمة علمية ولا مكانة داخل الصناعة والاقتصاد العالميين، كما تحفظت لكون سيرة الرجل التعليمية والتكوينية بعيدة عن قطاع التربية والتعليم، وكنت آمل أن يتخطى الرجل كل هذه الموانع والصعاب، بالتأني والبحث والتدقيق والتشاور، وأن يتجرد من إرث التبعية والسلطة، ويدرك أنه يحمل حقيبة لها خصوصياتها، روادها علماء ومثقفون وباحثون في مختلف العلوم والثقافات والقوانين، كما كنت أتوقع أن يبطئ في إحداث تغييرات تمس تموقعات الموارد البشرية وكذا الولوجيات، حتى ينجح في التوطئة لمنصبه السياسي، علما أنه كان معينا من طرف ملك البلاد على رأس اللجنة الوطنية التي أعدت النموذج التنموي الجديد، والذي لازلنا ننتظر تحقيقه على أرض الواقع.
لن نطالب برحيل الوزير الذي بالكاد ربط حزام كرسيه، لكن وجب التنبيه إلى أن القرارات يجب أن تحترم أولا دستور البلاد وقوانينه الإجرائية، وأن تأخذ بعين الاعتبار الأوضاع والظروف المجتمعية والإنسانية، وأن يدرك واضعها ما قد يترتب عنها من أضرار وإساءات نحن في غنى عنها، وأن يكون واضع القرار قد تأكد من كل ما ستسببه وسينتجه من إيجابيات وسلبيات.
كان على شكيب بنموسى أن يتريث قبل إحداث تغيير في شروط الترشح لاجتياز مباراة أطر أكاديميات التربية والتكوين، لأن تلك الأطر التي تسمي نفسها بـ”الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد”، كانت تنتظر تطبيق وعود أحزاب الأغلبية الحكومية، التي أكد قادتها طيلة فترة الحملات الانتخابية الأخيرة، على أنهم سينصفون هذه الفئة، وإذا كان القرار غير منصف، فإن الردود التي صرح بها الوزير ومن يتحدثون باسمه، على رفض القرار من طرف شريحة كبيرة من المغاربة وممثلي هيئات حزبية ونقابية وحقوقية، لم تكن مقنعة، وتضمنت تبريرات واهية، إذ كشفوا عن غير علم بأن هناك فرقا وتمييزا واضحا بين أطر الأكاديميات وأطر الوظيفة العمومية، حيث يمتد السن القانوني لاجتياز مباريات الفئة الثانية إلى 45 سنة، وهي تصريحات إعلامية خطيرة تجهض ما سبق وصرح به العديد من المسؤولين الحكوميين، بأن للفئتين نفس الحقوق والواجبات، وأن الفرق بينهما هو فقط في اصطلاحي “موظف عمومي” و”موظف جهوي”، باعتبار أن المغرب مقبل على التأثيث للجهوية الموسعة.
لا يمكن للوزير وحاشيته أن يفترض أن المجازين الراغبين في ولوج سلك التعليم هم شباب وشابات ناموا “نومة أهل الكهف” بعد حصولهم على الإجازة، وأن معظم المجازين قضوا السنوات في الإعداد لاجتياز عدة مباريات خاصة بعدة وظائف لكنهم فشلوا في الظفر بالنجاح، وليس لهم الحق أن يفترضوا أنهم فقدوا كل مؤهلات ومكاسب الإجازة العلمية، فمنهم من عمل لسنوات في التدريس بالتعليم الخصوصي، ومنهم من عمل في مناصب ومهام بالقطاع الخاص، ومنهم من عمل كمدرس داخل منزله للدروس الخصوصية، يتحصلون الآن على مستويات ومدارك علمية وثقافية وسلوكية قد تفوق بعض المجازين دون سن الثلاثين.. فلماذا تفترض الوزارة أن هؤلاء فقدوا العلم ولم تعد لهم القدرة على التكوين والتميز؟
لنبدأ بطرح السؤال الأول: لماذا شرط توفر الإجازة للتدريس بالمؤسسات الابتدائية والثانوية وتكوين غامض وعشوائي لا يتعدى 6 أو 7 أشهر عوض ما كان مقررا سابقا، حيث كانت هناك ثلاث مؤسسات عالية الجودة (مدراس تكوين المعلمين، المراكز التربوية الجهوية، والمدارس العليا للأساتذة)، وكانت سنوات التكوين تختلف باختلاف الأسلاك التعليمية والمستويات التعليمية للطلبة الوالجين إليها، وأدناها شهادة الباكالوريا؟
تأتي بعده أسئلة متفرعة: ما مدى قدرة حاملي الإجازات المختلفة على التدريس؟ وما مدى صحة تلك النقط والميزات التي حصل عليها الطلبة المجازون؟ وهل يحق اعتمادها في عملية انتقاء لوائح المقبولين لاجتياز مباريات التعليم؟
الأكيد أنه ليس كل مجاز حامل للرصيد المعرفي الخاص بتلك الإجازة، والأكيد أن هناك من حصلوا على نقط أقل من زملائهم في بعض المواد الدراسية، لكنهم أحق بمهنة التدريس، وطبعا على الوزارة الوصية أن تنكب على تقنين وتطوير الاختبارات الشفهية والكتابية وبعدها التطبيقية، لتقف على الطالب الأجدر بمنصب أستاذ، فالأستاذ الإطار التابع للأكاديمية لن ينال هذه الصفة إلا بعد أن يتجاوز عقبتي الامتحانين الكتابي والشفوي، وبعد تكوين لعدة أشهر يمتحن خلالها من طرف العديد من الأساتذة داخل مراكز التربية والتكوين، وعند نجاحه، يتم تعيينه كـ”أستاذ متدرب” داخل إحدى المؤسسات التعليمية العمومية، حيث يكون مطالبا بإجراء اختبارات أخرى على طول مراحل عمله، وكذا عند نهاية الموسم الدراسي.. ألا تكفي هاته الإجراءات لانتقاء الأستاذ الكفء؟
كما أن رسالة التحفيز التي تضمنتها تلك الشروط، يمكن لأي كان أن يحررها للمرشح، ويلقنه كيفية الإجابة عن محتواها، وأظن أن نقط الاختبارات الكتابية لا علاقة لها بتلك الرسالة، أما الامتحانات الشفوية التي تشرف عليها لجنة مكونة من ثلاثة أساتذة ومفتشين على الأقل، فهي محطة تمكن اللجنة المشرفة من الحصول على كل المعلومات والقدرات الخاصة بالمرشح دون الاستعانة بتلك الرسالة.
نتمنى التراجع عن هذه الشروط، فالحكومة تنتظرها قضايا كبرى، ولا نود أن تسقط في بدايتها، وتخيب آمال من اعتبروها بديلا.



