المنبر الحر

المنبر الحر | الخلط بين السياسة والدين يفسدهما معا “الجزء 02”

بقلم: حسوني قدور بن موسى  

محامي بهيأة وجدة

تتمة المقال تحت الإعلان

    الدين باعتباره عقيدة روحية ورسالة اجتماعية وأخلاقية، يشكل ضرورة إنسانية من أجل توجيه وتصويب سلوك الفرد نحو ترسيخ المبادئ الأصيلة في تعامله مع نفسه ومع الآخرين، وكذلك فإنه يُفترض أن يكون لرجال الدين دور محوري في إشاعة مبادئ الكمال الإنساني في المجتمع، لكن السياسة وتدبير الأمور الاجتماعية والاقتصادية، لها رجالها المتخصصون، لأن رجال الدين ليس لديهم ما يقدمونه في هذا العصر الذي يتجدد فيه كل شيء على الدوام وبسرعة بالغة، لأن روايات رجال الدين لا تصلح في مجملها لعلاج المسلمين وحل أزماتهم ومشاكلهم في هذا العصر، وكذلك في العصور التالية، وأن تلك الروايات كذلك لن تجدي أولئك الكهنة التقليديين نفعا، ولن تفيد في الذود عن معتقداتهم، وذلك في هذا الزمان الذي بطل فيه السحر وساد فيه العقل سيادة شبه تامة وتطورت فيه التكنولوجيا والعلوم بشتى أنواعها.

تتمة المقال تحت الإعلان

إن توظيف الدين في السياسة أدى إلى الفتن والانشقاقات داخل الدين الواحد في تاريخ الديانات التوحيدية الثلاث، فقد حصلت العديد من الانشقاقات التي أخذت طابعا دمويا، نظرا لارتباطها بقضايا التنافس والصراع على السلطة، نذكر في هذا الشأن وعلى سبيل المثال، انقسام الإمبراطورية الرومانية ـ بعد أن أصبحت المسيحية هي الدين الرسمي للدولة ـ إلى إمبراطوريتين: الأولى في الشرق وعاصمتها الجديدة القسطنطينية وأصبح اسمها الإمبراطورية البيزنطية، والثانية هي الإمبراطورية الرومانية الغربية الضاربة جذورها في عمق التاريخ المتوسطي، وبعد انهيارها على يد غزوات القبائل البربرية، أعيد تكوينها تحت سلطة الكنيسة الرومانية الكاثوليكية وتحت اسم الإمبراطورية المقدسة الرومانية الجرمانية، وبالتالي، تعمق الخلاف اللاهوتي بين كنيسة روما وكنيسة بيزنطا إلى حد القطيعة وغزو الصليبيين للقسطنطينية خلال إحدى حملاتهم الصليبية، وقد مارست سلطات الكنيسة الكاثوليكية على الممالك والإمارات الواقعة تحت هيمنتها، مراقبة مطلقة الصلاحيات على الحكام المدنيين، وكذلك قامت بأبشع أنواع التنكيل والتعذيب على من كان يجرؤ على فهم وتأويل الأناجيل ورسائل رسل المسيح خلافا لأحكام الكنيسة، وفي مجتمعنا المغربي، هناك جماعات دينية تحاول العودة بنا إلى هذه العصور القديمة البائدة وإضفاء خرافة “ولي الله” على رئيس الحزب، لتدويخ المواطنين الذين يعيشون في دار غفلون، حتى ينعم رئيس الجماعة ومن معه بالسلطة والمال، ويظل من صوت عليهم وأوصلهم إلى كرسي الحكم يعمهون في الجوع والتعاسة والفقر والحرمان.

تتمة المقال تحت الإعلان

إن أهم معضلات الدولة العربية، توظيفاتها النفعية للدين، والتي تقوم على أهداف قصيرة وآنية المنفعة، الأمر الذي عمق من مأزق شرعية الدولة، فكل محاولات الدولة العربية القائمة على الاستعانة بالمعتدلين الإسلاميين لمواجهة جماعات متطرفة، لم يفرخ إلا المزيد من القيادات المتطرفة كما في التجربتين المصرية والجزائرية، على أن الأمر الذي يجب إبرازه، هو أن الجماعات الدينية الناشطة هي الأكثر استثمارا للدين في سوق السياسة والمزايدات الحزبية، وهذا داء قديم ممتد عبر العصور التاريخية إلى يومنا هذا، إذ كان السلاح الأقوى بيد الجماعات الدينية المعارضة في صراعها ضد السلطة الحاكمة، هو “سلاح الدين” بهدف نزع الصفة الشرعية عن السلطة واتهامها بأنها لا تطبق الشريعة العادلة، هكذا فعل الخوارج القدامى، وكل الجماعات الدينية المعارضة من بعدهم، وهو ما تفعله الجماعات الدينية المعاصرة اليوم في خطابها التحريضي والابتزازي ضد الأنظمة الحاكمة والذي مفاده أن عدم مشاركتها في الحكم سوف يغرق البلاد في الفتنة والفوضى، وقد أضافت هذه الجماعات تهما جديدة ضد الأنظمة الحاكمة هي: أنها تتحالف مع الغرب الكافر “الصليبي الحاقد المتآمر على الإسلام”، وأنها تنفذ الأجندة الغربية ضد الإسلاميين بهدف “تغريب” المجتمعات الإسلامية وعلمنة الدولة معا، مما حول الصراع السياسي إلى صراع ديني “وهمي” يعرقل مشاريع التنمية والتحديث ويجمد الأوضاع السياسية والاقتصادية ويعيد مجتمعاتنا إلى الوراء قرونا عديدة، هذا هو الحاصل اليوم على يد تنظيم “داعش”، وكافة المجتمعات المسلحة المسيسة في العراق وسوريا وليبيا واليمن والصومال وغيرها من الدول.

إن تسييس الدين هو “الآفة” الكبرى، وهو “المعوّق” الأخطر لتجاوز “هوة التخلف”، وإن أسوأ ما يمكن أن يصاب به أي مجتمع بشري، هو أن يتحول رجال الدين إلى علماء في الاجتماع والسياسة والاقتصاد، يزاحمون السياسيين والاقتصاديين خريجي الجامعات والمعاهد، ويلعبون في ملاعبهم وهم غير مؤهلين للقيام بأمور الشأن العام، فهم بذلك  يفسدون الدين والسياسة، لذلك، فإن ما تعانيه مجتمعاتنا اليوم من التردي العام والاضطرابات وانعدام الأمن والاستقرار، هو أحد تجليات الخلط بين السياسي والديني، وقد ساعد على هذا الخلط، أن مجتمعاتنا تستفتي الفقيه والشيخ في كل كبيرة وصغيرة في شؤونها، وتلتمس منهما حلولا لقضاياها المعاصرة، وإن ما نراه على امتداد الوطن العربي من مشاهد عنف وإرهاب ومجازر ودماء وتهجير الملايين من البشر من ديارهم، ما هو إلا ثمرة من ثمار هذا التوظيف السياسي السيئ والخطير للدين، مع أن هذا الدين يقول للمسلمين: ((أنتم أعلم بأمور دنياكم)).. في إشارة إلى ضرورة التمييز بين الديني والدنيوي، وأن الخلط بينهما يفسدهما معا.

انتهى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى