المنبر الحر | الأحزاب السياسية المغربية بين الأمس واليوم

بقلم: الحسن العبد
عاشت المملكة المغربية، ملكا وشعبا، فترات حالكة وسنينا عصيبة ردحا من الزمن، بحيث قاست بشدة كبيرة وتأثير بالغ من ضروب المعاناة إبان الاستعمار الفرنسي والإسباني لبلادنا، فذاقت بذلك وكابدت من جور وتسلط المستعمرين خلال النصف الأول من القرن الماضي، لكن الشعب المغربي الأبي، لم يقف مكتوف الأيدي أمام هذا الغزو الإمبريالي الغربي، بل إنه استنهض كل قواه وعقد العزم بكل حزم لمواجهة الأعداء، بثقة كبيرة في الله بالنصر، وهكذا كان..
هي إذن، مقاومة عامة من عامة الشعب المغربي، وليست وقفا على حزب معين بذاته من الأحزاب المغربية كما يدعي البعض، لكل جهة من جهات المملكة رجالاتها، كما قال الراحل الحسن الثاني رحمه الله، وبعد الاستقلال بقليل، عملت بعض الأحزاب على تأسيس عدة حكومات، بينما ظلت أخرى في المعارضة، علما أن هذه الأحزاب كلها كانت محصية بعدد الأصابع، خلافا لما هو عليه الحال السياسي الآن من تفريخ يومي للأحزاب، إلا أن ما كان يميز الحزب السياسي آنذاك، هو تشبع أعضائه، قادة وقواعد، ومعهم المتعاطفين، بأفكار ومبادئ وأخلاق سياسية عالية، فإما أن تكون يمينيا محافظا تنهل من تعاليم الإسلام السمحة، ومن معطيات العصر من أفكار تتماشى وتعاليم الدين وهويتنا وخصوصيتنا، وإما أن تقصد موسكو، عاصمة الاتحاد السوفياتي، فتتشبع بمبادئ الماركسية اللينينية والمادية التاريخية والاشتراكية العالمية، التي تدعو إلى خدمة القوى الشعبية، وقد كان المجتمع المغربي منقسما إلى يمين ويسار، والملاحظ هو أنه لم تكن وقتها ما تسمى بالأحزاب الإدارية، التي ولدت من رحم الدولة في سبعينات القرن الماضي، وما بعدها.
وعلى أية حال، كانت اللعبة السياسية واضحة جلية وبدون غموض لدى هؤلاء وعند أولئك.. ففي ستينات وسبعينات القرن الماضي، على الأقل ما يهم جيلي شخصيا، كان الحزب السياسي يتميز بمبادئه، وبالإيديولوجية التي ينهل منها، على سبيل المثال لا الحصر، كنت تجد الصراع محتدما، وبشكل شرس بين حزب الاستقلال من جهة، كحزب محافظ “رجعي”، وحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بكل أجنحته، ومن جهة أخرى، كحزب تقدمي “حداثي”، كان المجتمع المغربي ينقسم إلى قسمين، كما أشرنا إلى ذلك، وبالأخص الفئة المتعلمة منه، إما من هؤلاء، أو من أولئك، بالإضافة إلى المتعاطفين، ولكل حزب لسانه، فجريدة “العلم” لسان حزب الاستقلال، وجريدة “المحرر” وبعدها “الاتحاد الاشتراكي” لسان حزب القوات الشعبية، وكانت لكل الأحزاب أدوار مهمة في التأطير والتكوين، تتبنى أعضاءها صغارا وكبارا، ولها مؤطرين ومنظرين ومثقفين ومفكرين، وتشتغل على كل الملفات وتهتم أيما اهتمام بكل القضايا الساخنة بدون استثناء، الوطنية والدولية، كما أنها تمارس كل الأنشطة الرياضية والفنية والثقافية والاجتماعية بالموازاة مع عملها السياسي، لكن، وللأسف الشديد، تخلت أحزابنا عن المبادئ الأولى بفعل فاعلين من صلب الأحزاب السياسية نفسها، بالنسبة للطموحين من الوصوليين “المزروبين”، ومن خارجها “الشرية في الكحل والتوريط”.. وهكذا تميع العمل السياسي ببلادنا، بخلق أحزاب سياسية موالية للداخلية، وأحسن مثال على ما آل إليه العمل السياسي اليوم بالمغرب، هو ما نشهده، وفي هذا الوقت بالذات، من تنازلات للحزب الحاكم عن كنه مرجعيته.. ألم يصوت الناخب المغربي المسلم على برنامج يحفظ له دينه ويحقق له ديمقراطية حقيقية في ظل دولة الحق والقانون لهذا الحزب بعد أن فقد الثقة في الأخرى؟ بلى والله.. إلا أنه اليوم، وبفعل توالي وتتابع الخيبات والصدمات من خذلان السياسة والسياسيين، أصبح ديدن المواطن هو إنجاز الوعود من قبل أي مسؤول كان، لأجل الرقي والعيش الرغيد، بمبدأ للمواطن حقوق وعليه واجبات، في ظل المساواة في المواطنة بين كل أفراد الشعب، بلا زبونية ولا محسوبية، سواء مع الأحزاب أو مع التكنوقراط.. ولم تعد الإديولوجيا تتصدر واجهة الحزب، فالكل ينادي بتفعيل المواثيق الدولية لحقوق الإنسان وكرامة المواطن، فظهرت بذلك مصطلحات جديدة في القاموس السياسي، وظهرت كذلك وجوه لا تمت بأية صلة للعمل السياسي والمجال الثقافي، ولعل القادة السياسيين يفضلون رجال الأعمال، أصحاب الشكارة، حتى ولو عم الجهل، المهم هو الكرسي والمنصب، إلا أن المغاربة يفضلون العزوف عن السياسية في ظل هذه المستجدات عوض الانخراط في العمل السياسي، وفي ظل كل هذه التحولات الجوهرية العميقة، وفي غياب البديل، نقول: مرحبا غدا إن شاء الله بالحكومة المواطنة الجديدة، وإن غدا لناظره قريب، وفق هذه المعايير الأخيرة المرتبطة بحقوق الإنسان وبدولة الحق والقانون التي تتوخى خدمة البلاد والعباد، بلا عبيد ولا أسياد، سياسية أو تكنوقراطية كانت، ببرنامجها الطموح، مع تنزيل النموذج التنموي على أرض الواقع، وبالطبع بعد تعديله، لكي يتضمن كل ما اقترحه الباحثون النقاد المغاربة مؤخرا من قراءات عميقة ومميزة بكل جرأة في القول في مختلف الصحف والجرائد الورقية والإلكترونية.



