المنبر الحر | ما وراء زيارة إسماعيل هنية للمغرب

بقلم: د. رضوان زهرو
إن زيارة إسماعيل هنية لبلادنا على رأس وفد فلسطيني هام، هي في ظاهرها تأتي بدعوة من حزب العدالة والتنمية، لكنها من دون شك بمباركة من الملك وانخراط قوى مدنية وحزبية وطنية.
إنها أكبر من مجرد زيارة حركة مقاومة إسلامية لحزب سياسي مغربي ذي مرجعية إسلامية، إنها تأتي، في اعتقادي، في إطار مساعي المغرب الحثيثة للرجوع وبقوة إلى ساحة الشرق الأوسط والقيام بالدور الذي كان له دائما وبقوة تجاه قضايا الشرق الأوسط، وخاصة في عهد ملك عظيم وعبقري اسمه الحسن الثاني رحمة الله عليه.
وما سيسهل هذه المهمة اليوم تحديدا، هو عودة العلاقة الطبيعية ومن جديد، بين المغرب وإسرائيل، وصعود جو بايدن إلى رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، والعلاقات المتميزة في الوقت الراهن بين المغرب وأمريكا، بعد اعتراف الإدارة الأمريكية في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب، بمغربية الصحراء، وكذلك التصريح الأخير لبلينكن، كاتب الدولة في الخارجية الأمريكية، عند محادثته مع وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، حول دور المغرب كشريك استراتيجي، وريادته، بل وقدرته على المساهمة الإيجابية في حل عدد من القضايا الدولية، في ليبيا وفلسطين واليمن ومالي، وغيرها من بؤر التوتر في العالم.
وربما تكون هذه الزيارة بداية لانطلاق وساطة مغربية في الأفق القريب، بين فلسطين وإسرائيل، والمغرب مؤهل لذلك أكثر من أي وقت مضى، برعاية أكبر دولة في العالم، الولايات المتحدة الأمريكية.
ثم يمكن اعتبار الزيارة الأخيرة لإسماعيل هنية والوفد الهام المرافق له، محاولة لاستباق المملكة المغربية وتغيير نظرتها، بل وموقفها من حركة طالما اعتبرتها أكثر من دولة، وأكثر من تكتل في العالم، بكونها منظمة إرهابية لا يجب التعامل معها أو إشراكها في أي حل للقضية الفلسطينية، وذلك بعد نوع من الخلخلة في المواقف مؤخرا، وخاص مواقف كل من أمريكا والاتحاد الأوروبي، وتوجههما في المستقبل القريب نحو القبول بالتعامل مع “حماس” بناء على عدد من التصريحات الأخيرة التي بدأت تعترف صراحة بمركزية دورها في أي مفاوضات لإيجاد أي حل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي في المستقبل.
ثم إن هذه الزيارة، يمكن اعتبارها كذلك جوابا هادئا وحكيما وواضحا وصريحا، ومباشرا في اتجاه الجارة الشرقية الجزائر، التي ما فتئت تتربص بنا، والتي أطلقت العنان مؤخرا لأذرعها الإعلامية التابعة للعصابة بقيادة جنرالات العسكر (خاصة بعد عودة العلاقة بين المغرب وإسرائيل) في وصف المغرب بكل الأوصاف ونعته بكل النعوت، كـ”المطبع الرسمي” و”راعي الصهيونية” و”المضر بالقضية الفلسطينية” وغيرها من النعوت والأوصاف التي أقل ما يقال عنها أنها تعبر عن حالة نفسية مرضية مزمنة تعاني منها العصابة في الجزائر، “العصابة” كما يحلو لجل الجزائريين في الداخل كما في الخارج أن يسموا دولتهم التي لم يبق لها أي شيء من مقومات الدولة كما هي معروفة.
فها هم قادة حركة المقاومة “حماس” يحلون اليوم ضيوفا مرحبا بهم على المغرب بلدهم الثاني، فيشيدون بدوره المتميز، ملكا وحكومة وشعبا، ويثنون أجمل وأبلغ ثناء على ملك المغرب رئيس “لجنة القدس”، والذي جعل من القضية الفلسطينية قضيته الأولى كما قضيتنا الوطنية، القضية المقدسة بالنسبة لكل المغاربة، كما يثنون على أيادي جلالته البيضاء والتي لا حد ولا حصر لها، وفي الكثير من الأحيان، من ماله الخاص، في كل فلسطين، وخاصة داخل القدس الشريف، وذلك من خلال الدور الذي يضطلع به جلالته عن طريق “بيت مال القدس الشريف”.



