في نظري، يعتبر الإضراب العام الذي شنته الطبقة العاملة في 8 دجنبر 1952، تضامنا مع الشعب التونسي الشقيق على إثر اغتيال الزعيم النقابي فرحات حشاد، من أهم الأحداث التاريخية، لسببين: أولهما تجسيد وحدة الطبقة العاملة ومن خلالها الشعبين التونسي والمغربي من أجل الاستقلال وبناء المغرب الكبير، والسبب الثاني، سرعة إيقاع الأحداث التي أدت إلى الاستقلال، حيث بعد شهور سيتم نفي العائلة الملكية، وبعد سنة ونصف، سيتم الإفراج عن جميع المعتقلين، وبعد أقل من سنة، سيعود رمز الأمة إلى عرشه، وبعد أقل من سنة من مفاوضات “إيكس ليبان”، سيحرز المغرب الاستقلال، لكن بعد شهور معدودة من النشوة بالنصر، طفت على السطح بوادر الاختلاف الذي تحول إلى توتر حول البناء، فمن القادة الوطنيين من اعتبر أن الاستقلال لم يكتمل فوجب مواصلة تحرير باقي أجزاء الوطن، ومنهم من كان يعتبر أن السياسيين مجرد أصحاب أناشيد، ومنهم من تمكن من إدماج بعض القادة النقابيين في الحزب العتيد، ومنهم من كان يرى أنه آن الأوان لفصل السلط، ودخلنا في متاهات المواجهات وتفرقت سبل الرواد لعدم استيعابهم لقيم التضحية من أجل الوطن. والعبرة في هذا المقام، بحدث 8 دجنبر 1952، الذي لا يضاهيه أي من الأحداث التي عرفتها بلادنا في الفترة الاستعمارية بما فيها وثيقة المطالبة بالاستقلال، رغم رمزيتها، فلم أجد في كل ما كتب حول حقيقة ما حدث ما يشفي الغليل، لأنني عشت بعض أطوارها في بيتنا وأنا طفل صغير، بل ولأنني جالست روادا عايشوا الحدث، من بينهم بالناصر حركات وبوشتى الجامعي والهاشمي الفيلالي، والطيب بن بوعزة بمكتبه حين التحق بوزارة الخارجية في بداية السبعينات، والمحجوب بن الصديق الذي دعاني وإخوتي لتكريم والدي في مؤتمر 1989، وعبد القادر أواب الذي كان آذاك مكلفا بالشؤون الخارجية للاتحاد، وعبد القادر البدوي وأحمد الروداني، اللذين عايشا عن كثب أحداث الإضراب العام منذ تلقي خبر الاغتيال إلى الاعتقالات ومواجهات قوات الاحتلال، والبداية بتلقي خبر اغتيال الشهيد فرحات حشاد.
وحده، حسب علمي، المؤرخ ألبير عياش الذي تحدث في كتابه “الحركة النقابية بالمغرب” عن حدث إضراب 8 دجنبر 1952، الذي يغلب عليه منطق السرد عوض منهجية التحليل، خاصة حين تعلق الأمر بحدث تاريخي صنعه رجال منهم من كان يتسم بالبهرجة ومنهم من كان يعمل في صمت ونكران للذات، شأنهم شأن جنود الخفاء، وبالرغم من هذا التوجه، نجد في كرونولوجيا تسارع الأحداث، مادة دسمة من شأنها تحفيز الباحثين والدراسين على التحري في الأمكنة ورمزيتها والتي كانت تتخذ فيها القرارات وحقيقة صناع الحدث، بدءا باتخاذ قرار الإضراب في بيت إبراهيم الروداني قبل الدعوة إليه في جريدة “العلم” في 7 دجنبر 1952، وانتهاء بالمواجهات الدامية وبداية الاعتقالات داخل مقر “س. ج. ت” بزنقة “لاسال”، فرحات حشاد حاليا.
ومن بين المعلومات الواردة في كتاب ألبير عياش، على سبيل المثال، نجد أنه في 6 دجنبر، ندد الجنرال غيوم ضمن برقية إلى وزارة الخارجية بباريس، بـ”الإضرابات التي قام بها ويشجعها حزب الاستقلال بمناسبة انعقاد دورة هيئة الأمم المتحدة”، وأعرب فيها عن “القلق الكبير الذي يسود الساكنة الفرنسية والنخبة المغربية، لا سيما الزعماء التقليديين”.. فهل في هذه الحالة، يجدر الحديث عن إضراب قام به وشجعه حزب الاستقلال يومين بعد بعث البرقية إلى وزارة الخارجية؟ وهل كان يتوفر المؤرخ على نسخة منها كما كان يتوفر على نص النداء الموجه للطبقة الشغيلة والمؤرخ في 7 دجنبر والذي وجهه آنذاك حزب الاستقلال عبر جريدة “العلم”؟
وفي كتاب نفس المؤرخ، نجد أنه في 6 دجنبر، قرر مسؤولون استقلاليون في الاتحاد العام، التعبير من خلال إضراب عام مدة 24 ساعة، عن تضامنهم مع الشغيلة، وعن تمردهم على سلبيات النظام الاستعماري.. فهل قرار الإضراب تم في مقر النقابة أو في بيت إبراهيم الروداني؟ وهل كان قرارا نقابيا صرفا، أم كان صادرا عن الحزب وبالتالي قرارا سياسيا؟ وإذا كان كذلك، هل كانت للسياسيين وصاية على النقابيين؟ ألم يكن فرحات حشاد نقابيا “سيجيتيا” إن صح التعبير؟
لو تحرى المؤرخ في الأمر لتبين له أن الخبر تسرب إلى النقابيين الفرنسيين بالمغرب بواسطة رفاقهم في تونس يوم الاغتيال، أي يوم الجمعة 5 دجنبر 1952، لا بعد نداء الحزب المنشور في جريدة “العلم” يوم 7 دجنبر 1952، حسب زعم المؤرخ.
وما ينطبق على الخبر وقرار الإضراب ينطبق على زمان ومكان وأصحاب القرار، ففي كتاب المؤرخ، نجد أن الطيب بن بوعزة والمحجوب بن الصديق ومحمد التباري وصالح المسكيني، اتخذوا قرار الإضراب بصفتهم مسؤولين استقلاليين، ومن المعروف أن العمل السياسي داخل الحركة الوطنية التي ستختزل، عند توقيع وثيقة المطالبة بالاستقلال، في الحزب الذي أصبح امتدادا للحركة باعتبارها، بتعبير محمد عابد الجابري، “الزاوية التي لا يدخلها إلا من أدى اليمين”، وبهذا النهج، هل يمكن اعتبار من لم يؤد اليمين منتميا لحزب الاستقلال خاصة حين يتعلق الأمر بوطنيين كانت لهم نزعة شيوعية، وهو التيار الذي أتى به النقابيون الفرنسيون غداة دخول آلة الإنتاج؟ وهل يستساغ في هذه الحالة، الاطمئنان إلى أحداث صادرة عن مؤرخ ولا ترتكز على الضوابط المعمول بها في هذا المجال؟ ومن باب المساهمة المتواضعة في محاولة استيعاب ما جرى، أدلي ببعض شهادات من واكبوا الحدث عن كثب، حيث يروي محمد المرابط: إننا تلقينا خبر اغتيال الشهيد فرحات حشاد عن طريق النقابيين الفرنسيين في نفس اليوم، فعقدنا أول اجتماع كان يضم الطيب بن بوعزة وإبراهيم الروداني واحميدو الوطني وعبد ربه، فتقرر آنذاك دعوة العمال والحرفيين والتجار إلى الإضراب، وفي اليوم الموالي، تكلفت بتنظيم جمع، وذلك بوضع منصة ذات صبغة احتفالية أمام مسجد الكبير بحي الأحباس على غرار ما كنا نقوم به خلال شهر رمضان منذ سنين بترخيص من سلطة الحماية، حيث كانت تعرض فيها مسرحيات هزلية تحت إشراف عبد القادر البدوي.