المنبر الحر | الحروب الدموية بين المسلمين سبب احتلال القدس
24 مايو، 2021
0 3 دقائق
بقلم: ذ. حسوني قدور بن موسى
ليس ثمة قضية معاصرة من قضايا الشعوب المستعمرة والمضطهدة أشد ظلما وقساوة من قضية فلسطين، فهي ليست مجرد صراع بين الحق والباطل أو بين أكثرية مظلومة وأقلية ظالمة، بل هي صراع ذي خصوصية استثنائية، فقد حملت طابع صراع ضد حركة صهيونية عالمية جاءت من شتى أنحاء العالم لتطرد شعبا أصيلا من أرضه وتقتل ما تبقى من هذا الشعب، وتدمر بيوتهم على رؤوسهم ليحل محلهم صهاينة غرباء على الأرض الفلسطينية يرفضون وجود الفلسطينيين تطبيقا للقاعدة التي وضعها مناحيم بيغن والتي تقول: “أنا أقتل فلسطيني إذن أنا موجود”.
فمنذ المؤتمر الصهيوني السادس عام 1903 وإعلان تيودور هرتزل عن قبوله وتأييده لاقتراح بريطانيا بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، منذ ذلك التاريخ والشعب الفلسطيني يواجه كل أنواع الإبادة والتقتيل والتشرد، والمؤامرات والدسائس والخيانة حتى من العرب أنفسهم، ومنذ نكبة فلسطين عام 1948 وما رافقها من مجازر رهيبة في مختلف مدن وقرى فلسطين، أشهرها مذبحة “دير ياسين” في 9 أبريل 1948، قامت بها العصابات الإرهابية الصهيونية وأسفرت عن ذبح 250 فلسطينيا معظمهم من الأطفال والنساء والشيوخ، لترويع السكان الفلسطينيين ودفعهم إلى الهجرة خارج بلادهم وترك بيوتهم، وبالفعل كانت هذه حرب تطهير عرقي كان لها الأثر الكبير في هروب السكان العرب من فلسطين، ومن الأمور الخطيرة التي حدثت في الدول العربية، هي الخطة الخبيثة التي رسمها جهاز المخابرات الإسرائيلي “الموساد”، الذي كان المسؤول عن الأحداث والقلاقل والاضطرابات واضطهاد اليهود المنتمين إلى كثير من الدول العربية ومنها دول شمال إفريقيا، قصد ترهيبهم، ودفعهم إلى الهجرة لتعمير فلسطين، ليحلوا محل المواطنين العرب أصحاب الأرض المهجرين، وهذا ما يسمى “الهجرة المعاكسة”، كما أن” الموساد” قام بأعمال شيطانية عن طريق اضطهاد اليهود المقيمين في أوروبا لنفس الهدف، ولم تنتبه الدول العربية إلى هذه الخطة الصهيونية.
إن المفكرين والمثقفين والعلماء في البلاد الأوروبية، ومنهم اليهود، يعلمون أن تاريخ العرب المسلمين هو تاريخ دموي مليء بالأحداث المأساوية والصراعات على الحكم وحب النساء والثروة والمال وانتشار المجون والفساد والخلاعة واللهو والعبث وحب الذات، وكان هذا هو السبب في انحراف المسلمين في الأندلس، فاعترى وجودهم الضعف وعصفت بهم الفتن وخف الوازع الديني عندهم، فبدأوا بالتخلي عن بعض الأخلاق والتأثر بأخلاق وعادات غريبة عنهم وعلى مجتمعهم، الأمر الذي جعل شخصيتهم الإسلامية تأخذ في الاضمحلال يسري فيها الضعف.
شهد التاريخ الإسلامي سلسلة من الحروب الدامية والاقتتال فيما بين المسلمين ومعارك طاحنة لا زالت مستمرة إلى يومنا هذا في العراق وسوريا واليمن، وغيرها من الدول العربية الإسلامية، وتصفيات جسدية للمعارضين السياسيين وما يرافق ذلك من نهب لثروات الشعوب والسرقة وتبذير الأموال في بناء القصور والبذخ والترف واللهو…
لقد قتل عثمان على أيدي مسلمين، وقتل علي على أيدي مسلمين، ثم قتل الحسين وقطع رأسه على يد مسلمين، وقتل الحسن مسموما مغدورا بيد مسلمين، وقتل اثنان من المبشرين بالجنة (طلحة والزبير) على أيدي مسلمين في معركة كان طرفها علي وعائشة في موقعة “الجمل”، قتل مسلمون على يد مسلمين في معركة كان طرفها علي ومعاوية في موقعة “صفين”، قتل مسلمون بيد مسلمين في معركة كان طرفها علي وأتباعه في معركة موقعة “نهروان”، قتل مسلمون على يد مسلمين في معركة كان طرفها الحسين ويزيد وذبح فيها 73 من عائلة رسول الله بيد مسلمين في معركة “إخماد” ثورة أهل المدينة على حكم الأمويين غضبا لمقتل الحسين، وقتل 700 شخص من المهاجرين والأنصار على يد 12 ألفا من قوات الجيش الأموي المسلم في معركة “الحرة” التي قاد جيش الأمويين فيها مسلم بن عقبة، ولم يتجرأ اليهود أو الكفار على الإساءة للمسجد النبوي، لكن فعلها قائد جيش يزيد بن معاوية عندما حول المسجد لثلاث ليال إلى إسطبل للحمير والخيول فتبولوا فيه، في خلافة هشام بن عبد الملك، لم يقتل زيد بن زين العابدين بن الحسين فحسب، بل صلبوه عاريا على باب دمشق لأربعة أيام ثم أحرقوه والتاريخ الإسلامي حافل بالقتل والمؤامرات فيما بين العرب المسلمين.
وتستمر إلى يومنا هذا في الدول العربية الإسلامية الحروب والاقتتال والمؤامرات والدسائس، ونهب ثروات الشعوب، ونشوب نزاعات إقليمية وإغلاق الحدود فيما بين الدول العربية في الوقت الذي نشاهد فيه الدول الأوروبية، التي ليست إسلامية، موحدة في 27 دولة في كل المجالات، وأمريكا التي لا علاقة لها بالإسلام، موحدة في 50 ولاية، ولا تقدم الحكومات في هذه الدول على أي خطوة أو عمل سياسي إلا بعد استفتاء واستشارة شعوبها كما فعلت بريطانيا عندما أرادت الخروج من الاتحاد الأوروبي، في حين أن الحكام العرب لا يعيرون أي اهتمام لرأي شعوبهم.
إن تاريخ ميلاد الولايات المتحدة الأمريكية لا يتعدى 3 قرون ونصف، في حين أن تاريخ ميلاد الأمة الإسلامية فاق الـ 14 قرنا، وعدد المسلمين مليار و500 مليون مسلم، وعدد سكان الوطن العربي ما يقرب من الـ 400 مليون نسمة، في حين أن عدد اليهود 8 ملايين نسمة فقط، ورغم ذلك، فهم الغلبة متحدون ومتفقون في كل شيء.
هكذا كان حكماء صهيون يخططون لمؤامرة اغتصاب فلسطين على أساس فهمهم بأن تاريخ العرب المسلمين تاريخ دموي فيما بينهم، وهم متفرقون متقاتلون، والدليل على ذلك، ما نراه اليوم من تشتيت وتفرقة وحروب دموية بين الدول العربية، فكيف يمكن تحرير القدس والعرب على هذه الحالة؟ فمنهم من أبرم اتفاقية التطبيع علنا ومنهم من يتعامل مع إسرائيل في الخفاء.
كانت جولدا مائير (رئيسة وزراء إسرائيل بين سنة 1969 و1974) تدرك جيدا أن العرب متفرقين مشتتين لا يقدرون على فعل شيء، فقالت سنة 1967: ((عندما أحرقت القدس لم أنم طوال الليل، كنت أعتقد أن العرب سينزحون إلى إسرائيل من المحيط إلى الخليج لرمينا في البحر، وفي الصباح لم يقع أي شيء، فتأكدت حينئذ أن العرب نائمون لا يستطيعون فعل شيء)).