المنبر الحر | العلاقات الثنائية المغربية – الإسبانية.. إلى أين ؟
22 مايو، 2021
0 3 دقائق
بقلم: رضوان جخا
إن ما تقوم به إسبانيا ضد المغرب يطرح العديد من علامات الاستفهام، كما يطرح العديد من الأسئلة الاستنكارية التي لا تتطلب أجوبة، لأن الواقع كشف عن سياسة الكيل بمكيالين التي تنهجها الجارة الشمالية.. فكيف يعقل لمن كان يصدع رؤوسنا بالحياد الإيجابي بأن يستقبل زعيم البوليساريو بأراضيه وبهوية مزورة “بنبطوش” في ضرب صارخ للقانون وللمواثيق الدولية؟ هل إسبانيا مستعدة بتصرفاتها هذه للتضحية بشريك استراتيجي؟ لماذا كان الإسبان قبل أشهر يطالبون باعتقال زعيم حركة انفصاليي كاتالونيا والآن يستقبلون زعيم حركة انفصالية، بل ومتهم من طرف قضاء إسبانيا نفسه بجرائم حرب واغتصاب؟ لماذا هذا الكيل بمكيالين؟
نعم، إنها مواقف غير مفهومة، إنه انفصام صارخ لا غبار عليه، ما قامت به الجارة إسبانيا عبر اعترافها بشكل رسمي بإدخالها لزعيم الكيان الوهمي وبطريقة سرية تحت ذريعة التداوي بأحد مستشفياتها، في لامبالاة واضحة للقضاء الإسباني الذي قبل عدة شكايات بخصوص جرائم حرب واتهامات بالاغتصاب والقتل والإبادة الجماعية التي اتهم بها زعيم البوليساريو ما بين سنوات 1976 و1986، ولم تقف الأمور عند ذلك، بل تجاوزته لمنعطف خطير من خلال اتفاق سري بين الجارة الشرقية والشمالية تم خلاله إدخال “محمد بنبطوش” عفوا إبراهيم غالي، لمستشفى إسباني بهوية مزورة، لتعبر بذلك إسبانيا عن تضارب صارخ في مواقفها وادعائها بتبني الحياد، وهل الأسباب الإنسانية تستدعي الدخول بهوية مزورة؟
إنه تخبط في المواقف لم تقدر معه إسبانيا على تقديم سبب موضوعي واحد لاستفسار الخارجية المغربية، وفي هذا الصدد، استغرب وزير الخارجية ناصر بوريطة، خلال حوار مع وكالة الأنباء الإسبانية “إيفي” من مواقف الجارة الشمالية، و”هل ترغب في التضحية بالعلاقات الثنائية بين البلدين بسبب ملف زعيم البوليساريو إبراهيم غالي؟”.
إن ما تقوم به الجارة الشمالية للمملكة المغربية يعتبر خطوة غير محسوبة لن تخدم مصالحها، فمواقفها الغير واضحة ولا المتناسقة، لن تؤدي بها سوى إلى المزيد من الشرخ مع المغرب: القطب الجيوسياسي الإفريقي، وأولى بوادر هذا الشرخ هي تأجيل القمة المغربية – الإسبانية، كما لا يمكن إغفال الدور الكبير جدا الذي يقوم به المغرب بخصوص محاربة الهجرة غير النظامية في المنطقة، والعلاقات التجارية الضخمة بين البلدين، إضافة إلى التنسيق الأمني بينهما، لكن مواصلة هذه الممارسات الإسبانية قد تعصف بالعلاقات الثنائية مع المغرب، مما سيشكل خسارة كبيرة للجارة الشمالية، ما يدعوها لإعادة ترتيب أوراقها قبل فوات الأوان، وهذا ما أكده بلاغ وزارة الخارجية المغربية الذي صدر مؤخرا والذي أكد في إحدى فقراته، على أن “الحفاظ على الشراكة الثنائية مسؤولية مشتركة يغذيها الالتزام المستمر بحماية الثقة المتبادلة والحفاظ على التعاون المثمر وحماية المصالح الاستراتيجية للبلدين”.
وتجدر الإشارة إلى أن زعيم البوليساريو هو موضوع عدة شكايات بتهم الاغتصاب والتعذيب والإبادة الجماعية، بحيث صدرت مذكرة توقيفه سنة 2008 من قبل إحدى المحاكم الإسبانية، وفي سنة 2013، وجهت إليه المحاكم الإسبانية لائحة اتهامات طويلة على غرار جريمة الاغتصاب في حق خديجتو محمود سنة 2010، هذا بالإضافة إلى شكاية بريكة التي تم قبولها بإحدى المحاكم الإسبانية خلال شهر أبريل المنصرم، إذ تلاحق غالي تهم اختطاف بريكة سنة 2009 لقرابة خمسة أشهر تعرض خلالها للتعذيب في سجون مخيمات تندوف، هذا دون نسيان مناشدات المجتمع المدني التي تطالب السلطات الإسبانية بتنزيل مبادئ ومواثيق حقوق الإنسان الدولية التي تناهض جرائم الاغتصاب والإبادة الجماعية على غرار مناشدات الجمعية الصحراوية للدفاع عن حقوق الإنسان (ASADEHD) التي جددت طلبها لدى قاضي المحكمة الوطنية سانتياغو بيدراز للمطالبة بالاعتقال الفوري لزعيم الجبهة، زد على ذلك مطالب الجمعية الكنارية لضحايا الإرهاب (L’Acavite) ومناشدات جمعية “الروطاري للصداقة المغربية الإسبانية” التي تم قبول إحدى شكاياتها سنة 2007 من طرف المحكمة الوطنية وهي أعلى هيئة جنائية بإسبانيا، كما شهدت بعض المناطق الإسبانية مظاهرات حاشدة لمغاربة تاراغونا، برشلونة وليريدا، وأخرى أمام المستشفى الذي أدخل إليه “بنبطوش” المتواجد بمدينة لوغرونيو، لتنضاف إليها تهمة الدخول للأراضي الإسبانية بهوية مزورة وأمام أنظار سلطاتها في تجاوز خطير وتحدي للمواثيق الدولية، لكن حينما انكشف الأمر، وبعد تضارب الكثير من الأخبار هنا وهناك، تأكد الخبر اليقين، عبر المتحدث باسم المحكمة الإسبانية العليا والذي أعلن أن زعيم جبهة بوليساريو الانفصالية تم استدعاؤه للمثول أمام القضاء الإسباني في الفاتح من يونيو المقبل.
إن ما وقع بالرغم من فداحته، لم يشهد ردة فعل قوية لدى دول الاتحاد الأوروبي جراء هذا الخرف القانوني الواضح والفاضح ونهج سياسة الآذان الصماء في موقف غريب من دول تدعي احترام المواثيق الدولية وحقوق الإنسان، باستثناء بعض المواقف الشجاعة على غرار النائب البرلماني الأوروبي أتيلا آرا كوفاكس، الذي أثار انتباه الاتحاد الأوروبي إلى فضيحة دخول زعيم البوليساريو لإسبانيا بهوية مزورة، إذ قال: “بصفتي مواطنا أوروبيا، أتساءل كيف يمكن للحكومة الإسبانية أن تسمح لمجرم سيء السمعة بدخول أوروبا؟”.
إن تصرفات إسبانيا ومواقفها مؤخرا ليست مفاجأة إلى حد كبير إذا قمنا بتحليل كرونولوجيا الأحداث، فذلك راجع أساسا لمجموعة من المستجدات التي أزعجت الجارة الشمالية، أهمها اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بسيادة المغرب على الصحراء، زد على ذلك المناورات المغربية الأمريكية قرب جزر الكناري، التي اعتبرتها إسبانيا استفزازا لها، كما أن فتح ملف سبتة ومليلية المحتلتين يزعج كثيرا الإسبان كلما بدأت بوادر له إلا والجارة الشمالية تستنكر وتشجب، وهذا يوضح بشكل جلي ويؤكد بالملموس أن المملكة المغربية تشكل بعبعا يخيفهم، وقطبا جيوسياسيا قاريا ومغاربيا، ومؤشرا دالا على قوة تأثيره في شتى المجالات، دبلوماسيا، واقتصادية وسياسيا.