المنبر الحر | من ثروة البترول إلى ثروة البيانات الرقمية
18 مايو، 2021
0 3 دقائق
بقلم: عبده حقي
هناك مواجهة عالمية تدور حاليا حول من يستحوذ على بيانات الشعوب. ففي اختتام قمة مجموعة العشرين في يونيو 2019 التي التأمت في اليابان، رفضت العديد من الدول النامية التوقيع على إعلان دولي بشأن تدفق البيانات فيما سمي بـ”مسار أوساكا”، والذي سبب مقاطعة دول ناشئة مثل الهند وأندونيسيا وجنوب إفريقيا للإعلان، على اعتبار أنه لم تكن لديها فرصة لوضع مصالحها الخاصة حول البيانات في الوثيقة الختامية.
وبحضور خمسين موقعا، لا يزال الإعلان قائما كإعلان عن نوايا مستقبلية حول مزيد من التفاوض، لكن المقاطعة مثلت صراعا مستمرا من قبل بعض الدول لتأكيد مطالبتها بشأن البيانات التي ينتجها مواطنوها.
في عام 2016، تم الترويج عالميا على أن بيانات المواطنين هي النفط الجديد القادم في المستقبل، وعلى الرغم من أن هذا التشبيه قد تم دحضه بسرعة، إلا أنه لا يزال كوسيلة مفيدة لفهم الاقتصاد الرقمي العالمي الراهن والقادم، واليوم مع تكثيف المفاوضات الدولية حول تدفق البيانات، قد تساعدنا مقارنة النفط هذه في تفسير اقتصاديات ما يسمى “توطين البيانات”، أي محاولة الاحتفاظ ببيانات المواطنين داخل بلدانهم.
وعلى غرار الدول المنتجة للنفط التي دافعت من أجل مصافي النفط لإضافة قيمة إلى النفط الخام، كذلك تريد الحكومات في جل العالم اليوم، أن تبني شركات التكنولوجيا الكبرى مراكز بيانات على أراضيها، حيث تستند السحابة التي تشغل الكثير من صناعة التكنولوجيا في العالم إلى مراكز بيانات ضخمة تقع بشكل أساسي حول سواحل شمال أوروبا والولايات المتحدة، وبالتالي في الوقت نفسه، تتجه شركات التكنولوجيا الكبرى في أمريكا بشكل متصاعد إلى الأسواق في الجنوب العالمي للتوسع مع دخول أعداد هائلة من الشباب المتمرسين في مجال التكنولوجيا عبر الأنترنيت.
اتهامات بـ “الإمبريالية الرقمية“
لقد أدى الانفصال بين المصادر الجديدة للبيانات ومواقع مراكز البيانات، إلى اتهامات من كثير من دول العالم الثالث بـ”استعمار البيانات” أو “الاستعمار الرقمي”.
الحجة الاقتصادية لدول الجنوب لاستضافة المزيد من مراكز البيانات، هي أنها ستعزز التصنيع الرقمي من خلال خلق مزايا تنافسية لشركات السحابة المحلية، وتطوير روابط أخرى من قطاع تكنولوجيا المعلومات المحلية.
لقد تعاملت العديد من البلدان مع اللوائح المتعلقة بنوع البيانات التي يجب تخزينها وطنيا، بعضها يغطي قطاعات معينة فقط، مثل البيانات الصحية في أستراليا، وفي دول أخرى مثل كوريا الجنوبية، تتطلب موافقة الشخص صاحب البيانات حتى يتم نقلها إلى الخارج، أما فرنسا فتواصل السعي وراء البنية التحتية لمركز البيانات الخاص بها، والتي يطلق عليها اسم “السيادة السحابية” على الرغم من إغلاق بعض الشركات التي كانت وراء الفكرة في البداية، فيما توجد القوانين الأكثر شمولية في الصين وروسيا، والتي تفرض التوطين عبر قطاعات متعددة لأنواع كثيرة من البيانات الشخصية.
يمكننا القول إن كثيرا من الدول ذات التعداد السكاني الهائل والمتزايد على الأنترنيت، هي الأكثر استفادة اقتصاديا من مثل هذه اللوائح، لأنها تتلقى حاليا أقل استثمار في البنية التحتية للبيانات من عمالقة التكنولوجيا بالنسبة لعدد المستخدمين، ويستشهد مؤيدو توطين البيانات بالاعتماد البنيوي للبلدان النامية على البنية التحتية الرقمية المملوكة للأجانب، وحصة غير عادلة من الفوائد الاقتصادية للصناعة، إنهم يحلمون باستخدام توطين البيانات لإجبار شركات التكنولوجيا على أن تصبح كيانات دائمة على أرض الوطن لزيادة مقدار الضرائب التي يمكن أن تفرضها عليهم في نهاية المطاف.
المنتقدون من جهتهم، يشيرون إلى ارتفاع تكاليف الأعمال للخوادم المحلية، ليس فقط لعمالقة التكنولوجيا، ولكن أيضا للشركات الناشئة التي تقول الحكومات إنها تريد تشجيعها بدعوى أن لوائح التوطين تتداخل مع الابتكار العالمي، ويصعب تنفيذها، وتتجاهل المتطلبات الفنية لمراكز البيانات: القرب من “العمود الفقري” لكابلات الألياف الضوئية للأنترنيت، وإمدادات مستقرة للكهرباء، ودرجة حرارة منخفضة للهواء أو الماء لتبريد الخوادم العملاقة.
البيانات: ما هي قيمتها؟
لقد استخدمت إحدى الدراسات، الأكثر استشهادا بها منذ عام 2014، منهجية غامضة أنتجها المركز الأوروبي للاقتصاد السياسي الدولي، وهو مؤسسة فكرية للتجارة الحرة ومقرها في بروكسيل، يأتي بعض تمويلها من شركات متعددة الجنسيات المجهولة، وليس من المستغرب أن تجد خسائر جسيمة للبلدان التي تفكر في توطين بياناتها، ومع ذلك وجدت دراسة أجريت عام 2018 بتكليف من شركة “الفيسبوك”، أن إنفاق مركز البيانات في الولايات المتحدة قد خلق عشرات الآلاف من الوظائف ودعم استثمارات الطاقة المتجددة وساهم بـ 5.8 مليار دولار أمريكي في الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة في ست سنوات فقط.
إن اتخاذ موقف دوغمائي مع أو ضد هذه القضية، يخفي تعقيدات أخرى.
تعتمد التكاليف والفوائد الاقتصادية، على نوع البيانات المخزنة، سواء كانت نسخة مكررة أو نسخة حصرية فقط، ومستوى الدعم الحكومي لدعم البنية التحتية الأوسع، على سبيل المثال لا الحصر.
ماذا تفعل الحكومات ببيانات مواطنيها؟
لا يقتصر دور الشركات والدول الكبرى على لعب أدوار هامة جدا في محاولة الحصول على “سيادة بيانات مواطنيها”، قد يجد مطورو التكنولوجيا حتى الآن طرقا لدعم حقوق الأفراد في التحكم في بياناتهم الشخصية باستخدام منصات رقمية مثل “داتا بوكس” والتي تمنح كل واحد منا ما يشبه الخوادم الشخصية الخاصة به.
إن هذه التقنيات لا تزال قيد التطوير، لكن المشاريع آخذة في النشوء (معظمها في جميع أنحاء أوروبا).. إنها لا تمنح الأشخاص سيطرة أكبر على بياناتهم الشخصية فحسب، وإنما تهدف إلى إنتاج قيمة اجتماعية بدلا من القيمة الربحية، وقد تجد مثل هذه التجارب مكانا في العالم النامي جنبا إلى جنب مع ما تفعله الدول والشركات الكبرى.