المنبر الحر | بين إبراهيم الروداني والمحجوب بن الصديق وآخرين
الحركة النقابية المفترى عليها (2)
11 مايو، 2021
0 3 دقائق
بقلم: ذ. عبد الصمد المرابط *
بعد التأكيد على أن الغاية من تأسيس النقابة لم يكن النضال من أجل المطالبة بتحسين الأوضاع الاجتماعية للعمال، وإنما مناهضة المستعمر، وهي خطة رسمت باتفاق مع إبراهيم الروداني، وذلك بجعل بيته مقرا للعمل الوطني في ثلاثينيات القرن الماضي.. هذا التاريخ له أهمية بالغة، لكونه خلافا لما نجده في كتب بعض الساسة والمؤرخين، بداية التأسيس للنقابة الوطنية، في بيت إبراهيم كانت تعقد لقاءات في سرية تامة طيلة سنوات إلى أن أشيعت أخبار المظاهرات التي واجهها المستعمر بعنف في بعض المدن، وفي خضم هذه الأحداث يطرق رجلان باب العامل المسير، وهما الوطنيان بوشتى الجامعي والهاشمي الفيلالي، فيطلبان منه تسريب قرار الإعلان عن الإضراب في صفوف العمال، وكان ذلك في أوائل سنة 1944، فاغتنمها العامل فرصة لتقديم صاحب الدار للزائرين، فتمت استضافتهما قصد إطلاعهما على ما يقومان به من نشاط سياسي ونقابي،إذ أن أول عمل كان يقوم به الرجلان، اختبار سلوك النقابي ومدى استعداده للعمل في الحقل الوطني، فيطلع الموفدان على نشاط العامل وصاحب الدار المثبتة في كنانيش مرتبة حسب نوع الجماعة ونوع النشاط بكاتبها وأمينها مع جدولة تاريخ ومكان الاجتماعات التي لم تكن دوما وحتما في دار إبراهيم الروداني، تفاديا لكل طارئ،ويبدي الضيفان إعجابهما بهذه المبادرة الفريدة فيعلق أحدهما مستحسنا ومشجعا هذا العمل الصامت والمتوغل في صفوف العمال بقوله: “إيوا انتما اعملتوا حزبكم بوحدكم.. الحزب باقي معندوش هذا النوع من التنظيم”، ويخبرهما بأنهما سيطلعان القادة السياسيين على هذا العمل الجاد.. وبعد شهر أو يزيد، يقوم الزائران بإيفاد بناصر حركات، لينسق معهما العمل النقابي وبعده يتصل بالعامل الطاهر غلاب، وبعده يحل عبد الرحمان اليوسفي، وبعده ينتقل من جرادة إلى نفس الدار، النقابي الطيب بن بوعزة، الذي كان عنصرا نشيطا في صفوف الحزب الشيوعي، وذلك قصد التعرف والتنسيق مع العامل المسير في المجال النقابي.
عن الطيب بن بوعزة، سألت الروداني عن ظروف وأسباب التحاقه بالدار فأجاب: “في بداية الأربعينيات، كان لقائي به في نهاية التسعينيات من الماضي”. عرفت منطقة جرادة إضرابات ومظاهرات ومواجهات عنيفة ما بين العمال وسلطات الحماية، أدت إلى وقوع جرحى في صفوف العمال، وعلى إثر هذه الأحداث، فر بعض العناصر من بينهم الطيب بن بوعزة إلى الدار البيضاء، وهناك أخبره بعض المعارف أن تمة مقر للنقابة يوجد في درب اليهودي يشرف على تسييره نقابي من “الريجي”، ولا ننسى أيضا أن هناك ما كان يسمى بـ”أصحاب الميناء في الدار البيضاء” والذي كان يقودهم الصميلي، هذا الأخير كان مسؤولا عن النقابة في الميناء، وكان يتردد باستمرار ويشارك في الاجتماعات التي كانت تعقد في الدار.
وعن المحجوب بن الصديق، يلخص الطيب بن بوعزة حدث القنيطرة الذي كان سببا في الاستقبال الملكي، والذي أفضى إلى ميلاد النقابة الوطنية التي خرجت من رحم “س.ج.ت” الفرنسية. في هذه المحطة التاريخية، يكتفي الطيب بن بوعزة في كتابه بالعبارة التالية: “وتكلم المحجوب في القنيطرة”، والواقع أن حقيقة ما جرى يرويها محمد المرابط، الذي عاش أطوارها وهي كالتالي: ((بعد العمل على انخراط عدد كبير من عمال معمل التبغ في النشاط النقابي، بقي لنا معمل التبغ بالقنيطرة، حيث بلغ إلى علمنا أن نقابة القوة العاملة تعمل فيه جاهدة لاستقطاب العمال، فطلبت من بعض الإخوان الانتقال للقنيطرة قصد الاتصال ببعض الإخوان هناك، والذين كانت لنا معهم صلة من قبل، وبعد ذلك سافرت بدوري إلى مدينة القنيطرة، فقصدت نادي “س.ج.ت” لأبحث عن مسؤول نقابي يدعى خيزوة، فرافقني أحد الأفراد لبيت هذا المناضل، وهناك وجدت المحجوب بن الصديق برفقة شابين فرنسيين، فقضينا الليلة جميعا في بيت خيزوة، وفي الصباح، اتجهنا إلى مقر النقابة فوجدنا جمهورا من العمال وتوجهنا إليهم بكلمات كل على حدة، نطلب منهم الانخراط في نقابة “س.ج.ت”، لكون هذه الأخيرة تسمح لنا بتكوين مكاتب خاصة بنا.. فأسسنا مكتبين نقابيين أحدهما خاص بمعمل التبغ والثاني للسكك الحديدية، وهي المناسبة التي تعرفت فيها على المحجوب بن الصديق. وفي المساء، عدنا معا، فنزل في محطة الرباط، فتم اعتقاله، وهو الأمر الذي دفعنا إلى البحث عن الأفراد الذين لهم اتصال بالقصر الملكي، فترقبنا مجيء الملك وعقدنا اجتماعا في منزل إبراهيم الروداني، وكونا وفدا للذهاب إلى القصر، وعند استقبالنا من طرف الحاجب الملكي، طلب منا تقليص عدد أعضاء الوفد إلى أربعة أو خمسة أفراد فقط، فكونا وفدا يضم عبد ربه والطيب بن بوعزة والتيباري والحداوي والمسناوي، وجلسنا مع جلالته فقال لنا: “أعانكم الله يا أبنائي، زيدوا في عملكم فلا أحد يعرف الفرنسيين مثلي، فما يعملونه معنا عملوه مع إخواننا في تونس…” وعند مغادرتنا للقصر، طلب منا الحاجب الملكي عدم نشر خبر الاستقبال الملكي)).