المنبر الحر

المنبر الحر | القرآن الكريم الذي أنزله الله تعالى في ليلة مباركة

بقلم: د. عبد الرحيم بن سلامة *

    القرآن كتاب الله العظيم، وحبله المتين، وصراطه المستقيم، فيه الهدى والشفاء، وفي اتباعه العز والسعادة، وفي الإعراض عنه الخسارة والضنك، هو نور البصائر وهداية القلوب وضياء السرائر، هو دستور الحياة وقانون الوجود ومائدة كل موجود، أنزله الله تعالى مرتين: مرة من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا دفعة واحدة، ومرة من سماء الدنيا إلى الأرض مقسطا حسب الأحداث والوقائع في ظرف ثلاثة وعشرين سنة على صفوة خلقه وسيد رسله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ليخرج الناس به من ظلمات الشرك والطغيان إلى نور الدين اليقين والإيمان بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد.

وقد وردت أحاديث نبوية شريفة في فضل تلاوة كتاب الله العزيز وإتقان قراءته وتدبر معانيه وحسن أدائه بما كان يتلو به صلى الله عليه وسلم، وهو سيد الفصحاء والبلغاء والقراء، كيف لا وهو الذي نزل عليه صلى الله عليه وسلم، في ليلة القدر المباركة، قال تعالى: ((إنا أنزلناه في ليلة مباركة))، حيث كان جبريل يراجع الرسول الأمين القرآن في ليالي رمضان: ((شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان)).

وللقرآن الكريم أسماء وصفات عديدة منها: “القرآن” و “الفرقان” و “التنزيل” و”الذكر” و”الكتاب” و”النور” و”الهدى” و”الرحمة” و”الشفاء” و”الموعظة” و”العزيز” و”البشير” و”النذير” و”الحكيم” و”المبارك”… إلخ.

 

القرآن نزل بلسان عربي مبين

    الأمة الإسلامية أمة شاسعة الأطراف والعرب قلة بالنسبة لهذه الأمة التي تتعبد بالقرآن، فلماذا أنزله تعالى باللغة العربية ولم ينزله بلغة أخرى؟

لقد أنزله جل جلاله قرآنا عربيا، لأنه سبحانه بين لماذا ذلك في الآية الكريمة: ((ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء))، لذلك نزل كتاب الله ((بلسان عربي مبين)) لأنه يخاطب النبي محمد (ص) المتلقي الأول للوحي: ((وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم، فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم))، فكان من الطبيعي أن ينزل القرآن بالعربية التي هي لغة الرسول ولغة قومه الذين يعيشون معه، فالعربية هي لغة لعدد من الأنبياء السابقين لسيدنا محمد عليه السلام، وهم حسب الروايات خمسة أنبياء من العرب هم: هود وصالح وشعيب وإسماعيل ومحمد عليهم السلام.

القرآن الكريم أرقام ومعلومات

    نزل القرآن الكريم على مدى 23 سنة، 13 منها في مكة المكرمة و10 سنوات في المدينة المنورة، ونزل بين مدينتي مكة والمدينة، مثل الجحفة والطائف، والحديبية، والسور المكية 86 سورة والمدنية 28 سورة، فالآيات المكية قصار بخلاف الآيات المدنية، فهي طويلة، وأطول آية مدنية فهي: ((يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب عما علمه الله فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ولا تسئموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم واتقوا الله ويعلمكم الله، والله بكل شيء عليم)) صدق الله العظيم (سورة البقرة الآية 282).

وتوجد في الآيات المكية آيات أطول من بعض الآيات المدنية، فليست الآيات الطويلة تقتصر على السورة المدنية، بل توجد بعض الآيات المكية هي الأخرى طويلة، وكل سورة فيها لفظ “كلا” فهي آية مكية، وكلها تقع في النصف الأخير من القرآن، وليس في النصف الأول منه، وكل سورة فيها إذن بالجهاد والدعوة إليه، فهي سورة مدنية، وكل سورة ذكرت فيها الحدود والفرائض وقصص الأنبياء والمرسلين، فهي سورة مكية.

إنه الكتاب السماوي الجامع المانع قال تعالى: ((لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد)).

((إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم، ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا))، فهو حبل الله المتين الذي لا تلتبس به الألسن، ولا تنقضي عجائبه ولا يشبع منه العادي والخاص، من قال به صدق، ومن تركه خسر، قال تعالى: ((فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال ربي لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى))، فالقرآن الكريم كلام الله المعجز المنزل على خاتم الأنبياء والمرسلين بواسطة جبريل الأمين في المصحف المنقول إلينا بالتواتر المتعبد بتلاوته، المبدوء بسورة الفاتحة والمختتم بسورة الناس.

كيف نقرأ القرآن ونتدبره

    قال تعالى: ((وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون))، وقال جل جلاله: ((أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها))، وفي الحديث الشريف: ((خيركم من تعلم القرآن وعلمه))، وقد وردت أحاديث نبوية أخرى في فضل تلاوة الكتاب العزيز وإتقان قراءته وحسن أدائه اقتداء بالمصطفى الذي قال عليه السلام: ((زينوا القرآن بأصواتكم))، وفي رواية أخرى ((زينوا أصواتكم بالقرآن فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا))، وتحسين الصوت بالقراءة المرتلة، والقراءات القرآنية هي سبع: قراءة نافع وورش، وهما أشهر القراءات، وقراءة حفص وهي القراءة المفضلة عند المغاربة والدول المجاورة في إفريقيا، وكل هذه القراءات تتطلب من قارئ كتاب الله أن يتدبر آياته، قال تعالى: “أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها”، وفي آية أخرى: ((أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا)).

فترتيل وتجويد القرآن يجعل علاقتنا بالقرآن علامة حب بالمصحف الشريف، هذا الكتاب الذي يحتل الصدارة في نفوسنا به نزين أصواتنا وبيوتنا ومساجدنا، فاعلم أخي القارئ أن تلاوة القرآن هي أفضل الأذكار، لذلك فالمطلوب أن تكون القراءة يتدبر وتمعن، فنفعنا الله بهذا الكتاب المبين في ليلة القدر المباركة.

* أستاذ باحث

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى