المنبر الحر

أولاد باب الفتوح وفاس عدوة الأندلس

حظيت مدينة فاس كما يعلم الجميع، بالعديد من الكتابات، بأقلام متنوعة في مختلف المنابر الإعلامية والكتب والمجلات، وما سوى ذلك من محطات ثقافية وعلمية وأدبية شكلت رصيدا معرفيا متميزا، وذلك لكون هذه المدينة، كما يذكر الباحثون من مختلف التخصصات واللغات والثقافات: “مدينة جليلة القدر، كثيرة العمارة، متميزة الحضارة”.

إعداد: ذ. الحسن العبد

    نالت مدينة فاس، العاصمة الروحية والعلمية للمملكة المغربية، عند الكثير من المهتمين، قدامى وجدد، مغاربة وأجانب، كل من موقعه وانطلاقا من منهجه وأدواته، عناية فائقة واهتماما ملحوظا، وبحسب أحد مواقع وزارة الثقافة المغربية نستخلص ما يلي: ((يرجع تاريخ تأسيس مدينة فاس إلى نهاية القرن الثامن الميلادي إبان مجيء المولى إدريس الأول إلى المغرب سنة 789م، حيث بنيت النواة الأولى للمدينة على الضفة اليمنى لوادي فاس بحي الأندلسيين، وفي سنة 808م، أسس إدريس الثاني مدينة جديدة على الضفة اليسرى لوادي فاس بحي القيروانيين، نسبة إلى أصل ساكنته المنحدرة من القيروان بإفريقية)).

وما يهمنا بالأساس، كأولاد باب الفتوح- عدوة الأندلس، هو إماطة اللثام عن عدة قضايا تهم ساكنة فاس، وبالأخص هذا الحي العتيق والمتجذر في التاريخ الذي قصده المولى إدريس الثاني، هو الأول عند مجيئه إلى هذه الأرض الطيبة.. لقد كانت عدوة الأندلسيين كما استقيناه من موقع وزارة الثقافة، ((محاطة بالأسوار، تخترقها ستة أبواب ولها مسجد جامع، وفي المدينة القديمة المقابلة، قام إدريس الثاني كذلك ببناء سور ومسجد بالإضافة إلى قصر وسوق)).

وتعود الأسوار المحيطة بفاس البالي إلى فترة حكم الناصر الموحدي (1199-1213م)، لكن الأبواب التي تخترقها تحمل أغلبها أسماء تعود إلى فترة حكم الأدارسة والزناتيين (باب الفتوح، باب الكيسة، باب الحمرة، باب الجديد)، وما يميز عدوة الأندلس باب الفتوح بفاس، على غرار عدوة القرويين المدينة العتيقة بفاس، هو تواجد معلمة دينية كبيرة نفتخر بها كأبناء وبنات هذه العدوة العتيقة، بل نحبها بشكل روحاني عميق جدا، ألا وهو مسجد الأندلس الغالي، أو كما يسميه الدارسون “مسجد الأندلسيين”، الذي ربّانا آباؤنا على ارتياده منذ نعومة أظافرنا  للصلاة والذكر وتلاوة القرآن الكريم وحضور مجالس وحلقات علمية بين يدي فقهاء فضلاء أجلاء من أمثال العالم بن سودة والفقيه الجابري الحياني والخطيب اربيحة، وغيرهم من أئمتنا المحترمين، ونحيلكم دائما من نفس الموقع بوزارة الثقافة المغربية على أزمنة تاريخية تخص جامع الأندلس بباب الفتوح– فاس، ((بني هذا المسجد سنة 859-860م من طرف مريم أخت فاطمة الفهرية، لكن تصميمه الحالي يعود في مجمله إلى فترة حكم الناصر الموحدي، وقد عرف بإضافة نافورة ماء وخزانة في العهد المريني، وخلال الفترة العلوية، قام السلطان المولى إسماعيل بعدة إصلاحات)).

ولا يسعنا إلا أن نشير إلى أن المسجد المذكور عرف عدة ترميمات وإصلاحات جوهرية في السنوات الأخيرة، وحظي برعاية خاصة في عهد الملك محمد السادس، أدخلت الفرحة على قلوب مرتاديه ونالت إعجابهم، لكونها تحافظ على استمرارية معلمة دينية لا مثيل لها بهذه العدوة.

وتجنبا لإطالة الحديث عن تاريخ هذه المدينة العريقة، والتي تزخر المكتبات بالعديد من كتابات المؤرخين والباحثين كل على شاكلته، وما ذلك إلا لمكانتها العلمية والثقافية والحضارية، وقد قيل قديما “فاس والكل في فاس”، سأعرج بكم إلى الحديث عن كتابة واقعية تعيد إنتاج واقع حي شعبي، وذاكرة مدينة روحانية بامتياز، بأمانة وصدق في التعبير، فلأولاد باب الفتوح خصائص مميزة، ولهم بذلك صيت محلي ووطني،بل دولي، فالشخصيات في هذا الطرح المتواضع واضحة الهوية، مع حقيقة الزمان والمكان والأحداث، وبالرغم من وجود ربما شاعرية في هذه الكتابة وهذا الحكي، نظرا للطبيعة الأسطورية لحي باب الفتوح،وبالأخص مقاطعة سيدي بوجيدة بباب الفتوح-فاس الأندلس، إلا أنني أرغب في نقل ما هو اجتماعي أكثر منه تاريخي، بمعنى واقع الحياة اليومية لأولاد الحومة، حومة باب الفتوح بين الأمس واليوم، ومعها كذلك الروح المميزة لساكنة سيدي بوجيدة، وذلك بشكل موضوعي وبالتركيز على بعض الحالات ومعها الشخصيات التي تركت بصمةأو أثرا عميقا في النفوس، وفي الذاكرة الجماعية كإطار مرجعي لحياة العبد الفقير إلى الله ورفقائه، أولاد باب الفتوح.

بهذا الحي، الرحم الأول، نهلنا دروسا وعبرا تخص ديننا الحنيف مع تواجد دار الفقيه، العالم الصوفي الكتاني الذي كان يستقبل وفود الزوار من كل جهات المملكة، وبعد وفاته، تحول منزله الكبير إلى مأوى يضم جل الطلبة الأفارقة الوافدين على بلادنا لتلقي علوم الشريعة، نهلنا سلوك المستقبل من مشايخ وفقهاء أجلاء، ونهلنا من ضروب “التمسخيط” أشياء كثيرة ومهمة من أعماق الدروب والأزقة والتي خلفت أثرا عميقا في نفوسنا، ورحم الله رجالات سيدي بوجيدة الذين زودونا بشتى المعارف في المراوغات الحياتية، مما ساعدنا على مواجهة الأحداث اللاحقة بكل تناقضاتها، وعلى التعامل مع الصنف البشري المتميز والمتنوع، وسيكون له أثر عميق على تعاملاتنا ككل، سواء مع النفس أو مع الغير، وخلاصة القول، هو نضال مستميت وجدي لأولاد الحي لأجل عيش كريم وخبز نعيم.

باب الفتوح، أقدم باب الذي أتاه المولى إدريس هو الأول عندما وطئت قدمه هذه التربة، هو الآن عبارة عن حي منسي في هامش العاصمة الروحية، وقديما قيل:”دوي إلى كنت عَدْوي”، أي أن الانتماء لعدوة الأندلس باب الفتوحكان ذا دلالة وتميز،وربما قد يكون هناك آخرين مؤهلين أكثر للحديث عن باب الفتوح، لكننا انتظرنا كثيرا مدادهم، انتظرنا الأقلام، حتى سئمنا الانتظار، فقررنا البوح بما يحمله الجوف من ذاكرة ستينات وسبعينات القرن الماضي لهذا الحي، ولعل هذا القرار قد يؤدي بعلماء الحي ومؤرخيه ومثقفيه إلى الكشف عن المسكوت عنه، فباب الفتوح مؤسسة عليا أو مدرسة عليا لتفريخ جميع أشكال وأنواع السلوكيات التي تميز أولاد فاس، أو رجالات الأحياء الشعبية، أقولها وأعي ما أذهب إليه، فأنا لست إلا ابن سيدي بوجيدة بباب الفتوح-فاس الأندلس، صغير الحجم بالمقارنة مع عمالقة تركوا بصمات عميقة في باب الفتوح عامة، وسيدي بوجيدة على وجه الخصوص.

وأختم بالتساؤل المشروع: من من أولاد باب الفتوح لا يتذكر الراحل انزيكا محمد رحمه الله؟ رجل الحي بكل امتياز في كل الأحوال والمواقف التي تميز رجالات الأحياء الشعبية، ويكفي أن أشير إلى عمل جليل من أعماله يتركه دائما حيا بين ظهراننا،ذلك أننا كتلاميذ رفاق في قسم الباكالوريا،كنا نرتاد مقهى الحي ليلا لنسهر مع الحروف بالدرس والتحصيل، فيأتي انزيكا محمد متأخرا في كل ليلة يقترب من نادل المقهى يهمس في أذنيه ويؤدي ثمن مشروبات كل التلاميذ المتواجدين، وعندما ينهض أحدنا ليشكره، يجيبه وهو في غيبوبته كالعادة: “ما تقربش لي أنا خاسر نقدر نعاديك، عندي متعة نخلص عليكم أنتم طلبة ديالنا، كونوا رجالا ما تكبروش على خوتكم في الحي إلى اعطاكم الله”.. تحية صادقة ملؤها المحبة والإجلال والتقدير لأولاد باب الفتوح، و لكل رجالات المملكة الأوفياء لقضايا المستضعفين.

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى