يمكن القول أن الإعلام يعتبر نبض المجتمع، ولبنة لا محيد عنها لبناء الدولة العصرية، شريطة نشر الخبر اليقين والتعليق الرصين الذي على أساسه يتكون رأي عام في جميع مناحي الحياة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
ولئن أجمع المفكرون، منذ ثلاثة قرون، على ضرورة، بل حتمية، فصل السلط وتحديدها في ثلاثة، فإن ممارسة مهنة الصحافة وما اعترضها من صعوبات طيلة عقود إن لم تكن قرونا، ظلت حاملة لمشعل شعار حرية الرأي والتعبير، فتحولت الجريدة على مر الزمن من مجرد وسيلة للإخبار بوقوع وقائع وأحداث تقع داخل المجتمع إلى التقصي في شأنها والتعليق عليها، وأصبح الصحفي، بحكم اختصاصه وحسب هامش الحرية المتاحة، يخوض غمار التحري في الاختلالات المتفشية في المجتمع وفي مختلف المرافق العمومية شأنه في ذلك شأن الضابط المكلف بالبحث في الجريمة، ويذكرني هذا النوع من التخصص في الدول المتقدمة، بقضية قتل الطفل كريكوري، التي هزت كيان المجتمع الفرنسي في بداية الثمانينات من القرن الماضي.
وحين نبحث عن أسباب هذا الإجماع في التتبع والاهتمام، نجد أن الصحافة المكتوبة المتخصصة في الشأن القضائي من بينها مجلة أسبوعية، تنقل بمهنية عالية وقائع الجريمة في مقالات وكأنها محاضر صادرة عن ضابط الشرطة، وصور معبرة وكأنها صادرة عن مختبرات، ولأخذ فكرة عن هذا النوع من المهنية، نورد طريقة نقل الخبر التالي الذي انتشر كالنار في الهشيم في جميع ربوع البلاد في الأسبوع الموالي لوقوع الجريمة، ففي الوقت الذي كان فيه الفريق المكلف بالبحث في مكان وقوع الجريمة، انتقل صحفيان من المجلة، أحدهما مختص في تحرير المقالات والثاني في التصوير، إلى منزل الضحية، وطلبا من الأب الإذن بأخذ صور من غرفة الطفل الضحية، فقام الصحافي بتصوير كل ما له علاقة بحياة الصغير الحميمية، فاغتنمتها المجلة فرصة لنشر عدد خاص في الأسبوع الموالي، اهتز لها المجتمع كما وقع لفاجعة صغيرنا عدنان (ضحية طنجة) مؤخرا، إلا أنه في حالة الصغير الفرنسي، ظل المراسل القضائي للمجلة يواكب تطورات القضية بجزئياتها دون هوادة، وإذا سألت آخر فرد في المجتمع، يعطيك آخر فصل من فصول البحث والتحقيق المتعلق بالقضية.
إن الغاية من هذا المثال، هي إثارة إشكالية دور إعلامنا في مجال القضاء، والذي لا يزال في نظري محتشما، خاصة حين يتعلق الأمر بتغطية محاكمة تشغل بال الرأي العام، فبالأمس، كانت الصحافة المكتوبة، التي كان يطلق عليها صحافة المعارضة، حاضرة بقوة في المشهد الإعلامي بنقدها الشديد للسلطة في المحاكمات الشهيرة آنذاك، إذ نجد نوعين من الصحافيين: رجال إعلام رسميين في مكاتب ما بين القضاة والمحامين يدونون في وضعية مريحة مجريات المحاكمة، وصحافيين مناضلين مبعدين لا نرى إلا مقالاتهم في جرائد المعارضة التي كان يقبل عليها القراء بلهف منقطع النظير.
ورغبة مني، بل منا جميعا، في اللحاق بركب الدول الديمقراطية على الأقل في مجال القضاء، لا مناص من استحضار – على سبيل المثال – إحدى المحاكمات الإنجليزية التي سميت آنذاك بمحاكمة القرن، وهي عبارة عن شريط سينمائي حين تشاهده يخيل إليك أنك حاضر بجميع جوارحك في المحاكمة: قاضي واحد ومتهم مؤازر من طرف محامي واحد، ومطالب الحق المدني ينوب عنه محامي واحد، وقاعة جلسات ممتلئة عن آخرها وكأنها لسكونها فارغة، كوكبة من الصحفيين في الجناح المخصص لهم في القاعة يتابعون عن كثب مجريات المحاكمة، وحين تقرأ أو تشاهد المراسل القضائي وهو ينقل بدقة وإيجاز عصارة وقائع المحاكمة التي عادة ما ترتكز على الأثار المادية للتهمة، فيتكون لدى المتتبع ارتسام راسخ قبل صدور الحكم بالبراءة أو الإدانة.
بقي أن أشير إلى أن المحاكمة المثارة استغرقت، لكثرة المستندات، عدة أسابيع، وكانت الجلسات تعقد يوميا بالساعة والدقيقة دون انقطاع، وبعد نهاية آخر مرافعة، صدر الحكم في الساعات الموالية.
في بلادنا، عشنا في السنين الأخيرة على إيقاع اعتقالات مست، بإجماع المهتمين، في الصميم مبدأ قرينة البراءة، وإذا كان الأمر يعزى إلى بعض الاختلالات الهيكلية في المنظومة القضائية، بدءا بأساليب البحث إلى التحقيق في الجريمة، فإن مرحلة المحاكمة من شأنها أن تكشف مواطن الخلل، ومن هذا المنطلق، وجب فتح المجال للإعلام لينقل عن كثب وقائع الجلسات، من بينها مناقشة الأدلة التي غالبا ما تكون مادية، وشروح الخبراء الذين، للأسف، لا يزالون مختفين رغم التنصيص على ضرورة حضورهم بكيفية صريحة، وهي الحلقة المفقودة التي من شأنها أن تجعل المحاكمة عديمة الأساس القانوني، إلى غير ذلك من الشروط التي حددها المشرع بكل دقة.. ألا تعتبر التغطية الإعلامية للمحاكمة من البداية إلى النهاية ضمانة أساسية للبناء الديمقراطي، شريطة اعتبار الصحفي شريكا قضائيا ؟
الصحافة المغربية لم و لن ترقى لهذا المستوى ما دامت الأقلام الماجورة همها الوحيد هو الدفاع عن الأحزاب و التشهير بالخصوم و غياب مصداقيتها عند المواطن المغربي. فالحمد لله على التكنولوجيا الحديثة التي تخول لنا تحري و معرفة الأخبار من مصادر مختلفة لا تقتصر فقط على الأقلام المأجورة التي تخرج للعلن ما يرضيها و يرضي مموليها و تتغاضى عن هموم و مشاكل المواطن و الوطن .
الصحافة المغربية لم و لن ترقى لهذا المستوى ما دامت الأقلام الماجورة همها الوحيد هو الدفاع عن الأحزاب و التشهير بالخصوم و غياب مصداقيتها عند المواطن المغربي. فالحمد لله على التكنولوجيا الحديثة التي تخول لنا تحري و معرفة الأخبار من مصادر مختلفة لا تقتصر فقط على الأقلام المأجورة التي تخرج للعلن ما يرضيها و يرضي مموليها و تتغاضى عن هموم و مشاكل المواطن و الوطن .