تحليلات أسبوعية

ملف الأسبوع | أسرار العداء بين نظام الحسن الثاني ورؤساء الجزائر

عندما يخذلك الأشقاء قبل الأعداء

قال أوتو فون بسمارك Otto von Bismarck، موحد ألمانيا سنة 1871، ومؤسس ما يعرف بالرايخ الألماني الثاني: ((كل شيء قابل للتغيير ما عدا الحدود الجغرافية))، وقد قال هذه القولة المأثورة وهو منتشي بانتصار بلده في الحرب الألمانية الفرنسية سنة 1870، والتي انتهت بفوز الألمان وانهيار الإمبراطورية الفرنسية، وتدل هذه المقولة على نظرة الرجل المتشائمة للمستقبل حتى بعد فوزه في الحرب على فرنسا، يوم كانت سماء أوروبا ملبدة بغيوم الحرب التي من الممكن أن تشتعل في أي لحظة، وكان في ذلك تلميح للاستعداد للحرب في كل لحظة، لأن الحدود الجغرافية غير قابلة للتغيير، ولأن الجار هو عدو لدود دائما، وليس هناك ما هو أسوأ من الجار الخالق للمتاعب.

وتنطبق مقولة أوتو فون بسمارك على العلاقات بين المغرب والجزائر، حيث لا تنطفئ نار نزاع بينهما حتى تشتعل أخرى أقوى منها، غير أن أطول مرحلة ود شهدتها العلاقات بين البلدين، هي فترة حكم الرئيس الجزائري هواري بومدين، والتي دامت ثلاثة عشر سنة، إلا أنه من غريب الصدف، أن نهاية حكم هذا الرجل شهدت بداية أقوى أزمة بين البلدين، والتي مازالت مستمرة إلى الآن، ويتعلق الأمر بقضية الصحراء المغربية، وهي الأزمة التي تتطور كل يوم وتتخذ أبعادا أخرى، غير أن مرور الزمن أنسانا بعضا من أهم تفاصيلها، وهو كيف كان موقف الرئيس الجزائري قبل المسيرة الخضراء؟ ولماذا أصبح هكذا؟ لذلك، لا بأس من التذكير ببعض تفاصيل هذه القضية، ولا بد من الوقوف على بعض الحقائق، كما يجب التذكير ببعض الرسائل القوية بين زعيمي البلدين.

 

تتمة المقال تحت الإعلان

أعد الملف: سعد الحمري

تتمة المقال تحت الإعلان

 

هكذا انقلبت الجزائر على بلاغ 4 يوليوز 1975 الشهير

     تسارعت الأحداث بكيفية مطردة سنة 1975 بخصوص ملف قضية الصحراء المغربية، غير أن الأمر الذي ظل غامضا، هو موقف الجزائر منها، وفي خضم هذا الحذر، قام عضو مجلس الثورة الجزائرية ووزير الخارجية آنذاك، عبد العزيز بوتفليقة، ما بين فاتح و4 يوليوز 1975، بزيارة للمغرب، لتبديد هذه الشكوك، وكما هو معلوم، فإن عبد العزيز بوتفليقة ليس مجرد وزير خارجية الجزائر فقط، بل يكفي أن نذكر أن الرئيس الجزائري هوراي بومدين، قال لوزير الخارجية المغربي، مولاي أحمد العراقي، خلال زيارته للمغرب: ((قولوا لصاحب الجلالة بأن يثق بما سيقوله له عبد العزيز، لأنه هو وأنا كأخوين توأمين ملتصقين)).

بعد نهاية الزيارة التي دامت ثلاثة أيام، ووضح كل طرف للآخر حقيقة الأشياء، صدر على إثر هذه الزيارة، بلاغ مشترك مغربي جزائري بصفة رسمية، وجاء في نص البلاغ الذي يحتفظ به أرشيف وزارة الخارجية الجزائرية كما هو الحال بالنسبة لنظيرتها المغربية، أن ((استقبال الملك الحسن الثاني لوزير الخارجية الجزائري اتسم بالصراحة والمودة))، وأضاف نص البلاغ أن ((وزير الخارجية الجزائري صرح أن بلاده تؤكد أن لا مطمع لها في الصحراء المغربية التي ترزح تحت نير الاستعمار الإسباني))، كما أكدت نفس الوثيقة، أن ((الجزائر تسجل بكامل الارتياح، التفاهم الحاصل بين البلدين الشقيقين المغرب وموريتانيا في شأن المنطقة، والهادف إلى توطيد دعائم الأمن والطمأنينة والاستقرار والتعاون الذي سيعود ولا شك بالخير العميم على هذه الناحية الحيوية من المغرب العربي)).

كانت أمريكا تراقب الوضع عن كثب، فقد أرسل وزير الخارجية الأمريكي رسالة لسفير أمريكا الدائم لدى هيئة الأمم المتحدة، يوم 19 يونيو 1976، أخبره من خلالها أنه بعد زيارة وزير الخارجية الجزائري إلى المغرب، والتي صرح أثناءها أن الجزائر تؤكد على أنه لا مطمع لها في الصحراء، فإنه بعد الموقف الجزائري الجديد ((يبدو أن غليان القضية وصل إلى مسألة كيفية نقل سيادة الصحراء من إسبانيا إلى المغرب وموريتانيا، وفقا لخطة التقسيم التي وضعت من طرف المغرب وموريتانيا وأيدتها الجزائر علنا، من خلال تأييد بوتفليقة لذلك من خلال البيان المشترك الذي أصدره هو والحسن الثاني يوم رابع يوليوز 1975)).

ورغم اعتبار أن تصريح بوتفليقة لقي ارتياحا في الأوساط المغربية والدولية، إلا أن وزير الخارجية الأمريكي، أكد من خلال رسالته، أنه على الرغم من أن أمريكا ليست لديها أية تفاصيل مؤكدة على الموقف الجزائري الجديد، فإنه يمكن افتراض أن الجزائر قادرة على نهج كل ما يمكن أن يسبب الإحباط للحكومة المغربية، وذلك رغم تأكيده أن أمريكا تعتبر أن بيان 4 يوليوز 1975 موقفا جزائريا صريحا، ذلك أن الجزائر أعلنت من خلاله رضاها على الاتفاق المغربي الموريتاني حول مستقبل الصحراء.

لقد حدث ما خشيت منه أمريكا فعلا، فرغم التصريح المشترك الواضح، إلا أن الجزائر استمرت في غموض موقفها من القضية، حيث أظهرت الجارة الشرقية بعد المسيرة الخضراء، ما كانت تخفيه، ففي بداية الأمر، خرجت عن العادة بخصوص تهنئة المغرب بحلول ذكرى 18 نونبر، حيث لم يبعث هواري بومدين للحسن الثاني برقية تهنئة بعيد الاستقلال، ولما بعث له الحسن الثاني برقية تهنئة بمناسبة انطلاق الثورة الجزائرية في فاتح نونبر من نفس السنة، أجابه بومدين في برقية من أربعة أسطر، وهذا خارج عما هو متعارف عليه في الأعراف الدبلوماسية، ثم بعد ذلك، اعتبرت صراحة أن عودة الصحراء للمغرب تعتبر تهديدا للثورة الجزائرية، وبدأ الحديث في الأوساط الدولية عن إمكانية نشوب حرب بين الجزائر والمغرب بفعل قضية الصحراء المغربية.

عقد الملك الحسن الثاني ندوة صحفية بالرباط يوم 25 نونبر 1975م، وكانت المناسبة سانحة لمعرفة موقف العاهل المغربي من التحول الجزائري، وعلى هذا الأساس قال له أحد الصحفيين أن مجلة “نيويورك تايمز” أعلنت أن الجزائر تستعد لشن حرب على المغرب من أجل الصحراء، فأجابه الملك أنه ينتظر أن تشن الجزائر الحرب على المغرب، لأن الرئيس الجزائري هواري بومدين صرح لصحيفة “لومانيتي”، أن عودة الصحراء إلى المغرب تعتبر تهديدا للثورة الجزائرية.

انكشاف القناع الجزائري خلال معركة “أمغالا” أواخر يناير 1976

     ورغم تخييم أجواء الأزمة، وحالة الاستنفار القصوى من الجانبين، إلا أن الحسن الثاني ظل يؤكد على أمر واحد طيلة شهري نونبر ودجنبر من سنة 1975، وهو عدم وجود أي جندي جزائري يشارك مع البوليساريو في حرب العصابات.

وقد وقع، يوم 27 يناير 1976، حادث يمكن اعتباره الأول من نوعه الذي أثبت بوضوح أن الجزائر بدأت فعلا الحرب التي كانت تهدد بها، ولكن سرا وليس علنا، فعندما كانت عناصر من القوات المسلحة الملكية تقوم بدورية ناحية أمغالا بالقرب من السمارة، وجدت جماعة مسلحة هناك، ولما أحست هذه الأخيرة باقتراب القوات المغربية اختفت في تلك النواحي، ولم يكن أمام القوات المسلحة الملكية من خيار سوى التصدي لها وإخراجها من مكانها، وذلك في إطار العمليات الدورية الاعتيادية التي كانت تقوم بها، غير أن المفاجأة وقعت، عندما استعادت العناصر المغربية المنطقة وأسرت عناصر من تلك الجماعة المسلحة، فقد كان ضمن صفوفها عدد من الجنود الجزائريين يرتدون اللباس العسكري للجيش الوطني الشعبي، وشاع الخبر بسرعة وتناقلت مختلف وسائل الإعلام أن الجيش الوطني الجزائري يشارك مباشرة في حرب العصابات التي تشنها البوليساريو ضد المغرب، فسارعت الجزائر مباشرة إلى تكذيب ما ورد من أنباء، فقد أصدرت وكالة الأنباء الجزائرية بلاغا نفت من خلاله ما تردد من أخبار، وأكدت أن الأمر كان يتعلق بقافلة من الشاحنات الحاملة للمؤن والمواد الغذائية والأدوية ضلت طريقها.

بدوره، رد المغرب عما زعمت به وكالة الأنباء الجزائرية، من خلال إصدار وزارة الإعلام المغربية بلاغا يوم 27 يناير 1976، أي خلال نفس يوم الحادث، أكدت من خلاله أن ((القوات المسلحة الملكية أسرت إثنا عشر عسكريا جزائريا باللباس العسكري للجيش الوطني الجزائري))، وكذبت مزاعم وكالة الأنباء الجزائرية من كون أن الأمر يتعلق بقافلة من الشاحنات المدنية الحاملة للمؤن الغذائية ضلت طريقها، حيث ذكرت في البلاغ أن ((منطقة أمغالا توجد داخل الصحراء المغربية على بعد مئات الكيلومترات من الحدود مع الجزائر)).

وأكد بلاغ وزارة الإعلام، أن ((إلقاء نظرة بسيطة على أي خريطة، يوضح بجلاء أن منطقة أمغالا توجد في الواقع على بعد مائتي كيلومتر من الحدود مع الجزائر، وعلى مسافة 80 كيلومترا جنوب مدينة السمارة، وعلى هذا الأساس، فإن منطقة أمغالا أقرب إلى الحدود بين موريتانيا والمغرب منها إلى الحدود بين المغرب والجزائر))، وختم البلاغ بـ ((التشديد على أن خطورة الوضع التي خلفها هذا الحادث، هو أسر اثني عشر جنديا من الجيش الوطني الجزائري فوق التراب المغربي ضمن جماعة من المتمردين)).

ورغم إصدار الجانبين كل منهما بلاغا يرد فيه على اتهامات الآخر، فإن الاشتباكات استمرت في أمغالا طيلة يوم 28 يناير 1976، وخلال نفس اليوم، أصدرت وزارة الإعلام المغربية بلاغا آخر أعلنت من خلاله أن ((القوات المسلحة الملكية أسرت سبعة عشر جنديا جزائريا إضافيا، وعليه بلغ العدد تسعة وعشرين أسيرا من الجيش الوطني الجزائري خلال يومين فقط من الاشتباكات في منطقة أمغالا)).

وأضاف نفس البلاغ، أن ((الجنود الأسرى ينتمون إلى الفيلق الواحد والأربعين من الجيش الوطني الشعبي الذين كان يقودهم اليوتنان ونيس، الذي يمكن أن يكون قد قتل خلال تلك الاشتباكات))، كما ذكر البلاغ أن ((القوات الجزائرية استعملت في الاشتباكات المذكورة المدافع والمعدات الثقيلة))، وقدمت وزارة الإعلام المغربية لائحة بأسماء الجنود الأسرى الجزائريين وهم كالآتي: نحيلة بن الحويرن، عباد عمر، بنسليمان الطاهر، حجيل الهواري الدويمي، بوقصايد محمد، الفقراوي عبد الحق، بن عبد الهادي محمد، ريمت أحمد، رحال حنبل، العبدالي أحمد، مربوش محمد، باكادي محمد، النسيب محمد، بوشيشي محمد، شرشوم إبراهيم، بن صالح مصطفى، بن سادة بلال، مهيب عمار، بن تيكسنة أهير، بن حمان مصطفى، بن المفتاح بن المطراشي، غوماد محمد، صياد عبد القادر، سعيد أحمد، شاغول رزقي، العيساوي أحمد، طراد الحبسي، بن كيدوسا الطيب، سلا ريب.

لم يقف الأمر عند هذا الحال، بل استمرت المعركة لليوم الثالث على التوالي يوم 29 يناير، وهو اليوم الذي أصدرت فيه وزارة الإعلام بلاغا ثالثا، أكدت من خلاله نجاح القوات المسلحة الملكية في إجلاء جميع المتمردين من أمغالا، وبالتالي، أصبحت المنطقة تحت مراقبتها بشكل كامل، وقدم البلاغ حصيلة جديدة حول عدد الأسرى، فقد ذكر أن الجيش الملكي أسر مائة وواحد من الجنود الجزائريين، من بينهم ملازم أول واحد، ومريد واحد وعدة ضباط صف، كما تم إحصاء العشرات من القتلى في صفوف البوليساريو.

وختم البلاغ بالتأكيد على أن ((القوات المسلحة الملكية غنمت كميات هامة من العتاد والأسلحة تتضمن الشاحنات وقطع المدفعية، ولا سيما مجموعة كبيرة من صواريخ أرض-جو)).

الرسالة التي ذكّر من خلالها الحسن الثاني هواري بومدين بعدم وفائه بالعهد

     دفعت هذه التطورات على الأرض، الحسن الثاني، إلى بعث رسالة احتجاج إلى الرئيس الجزائري هواري بومدين، يوم 15 فبراير 1976، وقد كانت هذه الرسالة شديدة اللهجة، ولأول مرة خاطب فيها العاهل المغربي نظيره الجزائري بهذه الطريقة التي لا تخلو من صراحة ووضوح، فطيلة مدة إحدى عشر سنة من حكم هواري بومدين، لم يحدث صدام بين الرجلين، ولم يسبق للحسن الثاني أن خاطبه بهكذا طريقة، ونظرا لما تحمله الرسالة من حقائق تاريخية، ونظرا للحجج والبراهين التي تتضمنها، ارتأينا نشرها كاملة:

((سيادة رئيس مجلس الثورة، لا يسرني أن أوجه إليكم هذا الخطاب، ذلك لأنه لا يرضيني أن أكون كاتب نصه، ولأنه لا محالة لن يبعث في نفسكم الرضى والارتياح. لقد سبق لفخامتكم أن أنبأتموني رسميا ثلاث مرات، خلال صيف سنة 1975، بقولكم الذي أعيده عليكم بالحرف الواحد: “قولوا لملك المغرب، ثم قولوا له بالتأكيد، إنه مهما كانت خلافاتنا حول مشكل الصحراء، وكيفما كانت نهاية النزاع بينه وبين إسبانيا، فإنني أتعهد له بأن لا يرى أبدا جنديا جزائريا أو عتادا عسكريا جزائريا فوق تراب الصحراء لمحاربة الشقيق المغربي”.. هذه هي أقوالكم فخامة الرئيس، ومن كانوا إذن رسلكم الذين حملوا ذلك الخطاب؟ سأسرد أسماءهم حسب الترتيب الزمني: فخامة الرئيس الحبيب بورقيبة، وفخامة الرئيس ليوبولد سيدار سينغور، وفخامة الرئيس المختار ابن دادة، فهؤلاء فيما أعتقد هم الشهود الذين لا يحتاجون إلى التنويه بأخلاقهم المثالية وحكمتهم، ومن أجل إعطائكم بيانات أدق، أضيف إلى ذلك أن هذا التعهد نفسه قد تم تأكيده لي من لدن وزيركم في الشؤون الخارجية خلال نفس الفترة، وأقول أيضا – تأدية للأمانة التاريخية – بأنه سبق لكم أن صرحتم لمولاي أحمد العراقي، الذي جاء لزيارتكم بالجزائر العاصمة بقولكم: “قولوا لصاحب الجلالة بأن يثق بما سيقوله له عبد العزيز، لأنه هو وأنا كأخوين توأمين ملتصقين”، إلا أنه حدث ما يدعو حقا إلى الدهشة والاستغراب، ذلك يا سيادة الرئيس، أن القوات المسلحة الملكية وجدت نفسها يوم 29 يناير 1976 في مواجهة الجيش الوطني الشعبي في أمغالا التي هي جزء لا يتجزأ من الصحراء، وسال الدم بين شعبينا، لأنكم لم توفوا بعهدكم، وها أنتم ترون أيضا بالأمس القريب أن الحامية المغربية التي بقيت في عين المكان بأمغالا قد أخذت غدرا، لأنني أجعل ضباطي وجنودي على بينة من سياستي لكي يقدروا تبرير الموقف الذي يتطلب الاستماتة والتضحية في أسمى درجاتهما، قد أخذت غدرا من لدن وحدات من الجيش الوطني الشعبي الجزائري متوفرة على أسلحة ثقيلة ومعدات يكشف نوعها ومستواها عن النية المبيتة للقيام بعملية تدمير تسببت في عشرات الضحايا من بين أبنائي والمكافحين من أجل بلدي، وهكذا، فخلال مدة تقل عن عشرة أيام، ناقضت أفعالكم يا سيادة الرئيس تعهداتكم مرتين اثنتين.

فمن أجل شرف بلادكم وشعبكم اللذين تطبعهما كثير من النعوت التاريخية، أناشدكم أن تجنبوا المغرب والجزائر مأساة أخرى، وأطلب منكم كذلك إما أن تعملوا بحرب مكشوفة ومعلنة جهارا، وإما بسلام مضمون دوليا، على جعل حد في المستقبل للقول السائد في بلادي وبين أفراد شعبي: “إن الجزائر يعادل مدلولها مدلول التقلب وعدم الوفاء بالعهود”.

فلتقبل فخامتكم من خلال الصراحة العربية والإسلامية والمغربية التي تغمر روح هذا الخطاب، التقدير الذي أكنه لها)).

المركز الحدودي زوج ابغال

 

رد مبتكر من هواري بومدين على رسالة الحسن الثاني

     انتظر الحسن الثاني ومعه المغرب جوابا من هواري بومدين على رسالته، غير أن هذا الأخير رد بطريقة غير تقليدية ومبتكرة إلى حد كبير، فبعد اثني عشر يوما من الانتظار، وصل الجواب، وهو الإعلان في العاصمة الجزائر عن قيام “الجمهورية الصحراوية الديمقراطية” أو ما يعرف بالبوليساريو، وذلك يوم 27 فبراير 1976، وبهذا تكون الجزائر قد أخلت بالتزامها، وهو عدم التدخل في قضية الصحراء، ومعنى إعلان قيام الجمهورية الوهمية فوق التراب الجزائري، أن هذه الأخيرة لم تتدخل بطريقة غير مباشرة أو مباشرة إلى حد ما في قضية الصحراء، بل أصبحت الحاضنة للبوليساريو فوق ترابها.

بعد يوم واحد من هذا الحدث، أرسل الملك الحسن الثاني رسالة إلى القوات المسلحة الملكية حول إنشاء الجزائر لحكومة وهمية في الصحراء، حيث أعلم العاهل الجيش في بداية الرسالة بالخبر الذي أذيع في الجارة الشرقية، وأكد من خلالها أنه لم يندهش من القرار الجزائري، فقد عبر عن ذلك بالقول: ((وهذا العمل الأخرق الجديد، لا يثير في نفسنا دهشة، فابتداء من يوم 25 دجنبر سنة 1975، كانت الحكومة الجزائرية قد لمحت إلى اقتراب وقوع حدث ذي أهمية قصوى بتندوف بين 25 و30 دجنبر من السنة الماضية، وافترض الكثيرون أن “حكومة صحراوية” في المنفى سيتم إنشاؤها، غير أن افتراضهم قد خاب، لأنهم يوجدون الآن أمام “دولة صحراوية”)).

لم يتأخر رد فعل الحكومة المغربية كثيرا، وكان مماثلا للخطوة التي أقدمت عليها الجزائر، فقد أعلنت يوم 7 مارس من نفس السنة، عن قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، احتجاجا على سلوك الجارة الشرقية الغير مسؤول.

تأكيد الحسن الثاني عن استعداده للقاء بومدين لأن ليس لديه ما يخجله

     وقعت القطيعة بين البلدين بصفة رسمية، وسيطر هاجس إمكانية وقوع حرب بين البلدين، وبدأ العالم كله مهتما بالوضع، وأصبح الحديث بذلك يروج عن إمكانية قيام حرب عالمية ثالثة في حالة نشوب أي نزاع مسلح بين البلدين، كما لم تبادر أي من الجارتين المعنيتين بالأمر، إلى مد جسور الحوار.

واستمر الوضع على ما هو عليه طيلة سنة 1976، وبالموازاة مع ذلك، لم يقم الملك الحسن الثاني بأي حوار صحفي من شأنه بعث رسائل إلى الجزائر كما تعود على فعل ذلك باستمرار، وظل الجمود قائما إلى يوم 21 نونبر 1976، عندما أجرى الملك حديثا صحفيا بالرباط مع ممثلي نادي الصحافة الفرنسية بباريس، وقد كان أول سؤال استقبله الملك حول العلاقة مع الجارة الشرقية، من الصحفي الفرنسي جون فييرجون، كالتالي: “يا صاحب الجلالة، بما أنكم تسيطرون على الوضع لكي تظهروا حسن نيتكم، هل أنتم مستعدون للالتقاء بالرئيس بومدين؟”، فأجاب العاهل المغربي إجابة تحمل بين أحرفها الاستعداد لفتح قنوات الحوار مع الجزائر، والتذكير بإخلال هواري بومدين للعهد بما تحمل، حيث كان رده كالتالي: ((إنني من أتباع المدرسة الإسلامية في السياسة، وجدي الأكبر النبي محمد عليه الصلاة والسلام، علمنا أن نتحاور أولا، ونتحاور بعد ذلك، ونتحاور قبل أن نتشاجر، وسألتقي بالرئيس بومدين، خصوصا وأنه لا يوجد ما يخجلني، وذلك لأنني لم أخل أبدا بأي تعهد من تعهداتي)).

كان نفس الحديث الصحفي مناسبة أيضا للحديث عن مختلف الشائعات التي أثيرت حول العلاقة بين البلدين، وعلى رأسها إمكانية وقوع حرب، وهو السؤال الذي وجهه الصحفي الفرنسي رولان فور، الذي سأل عن إمكانية وقوع حرب مغربية جزائرية؟ وتساءل الصحفي خلال الشطر الثاني من نفس السؤال عن صحة الفرضية القائلة أنه في حال وقوع الحرب بين البلدين، هل من الممكن أن تؤدي إلى حرب عالمية ثالثة؟

في رد الملك عن هذا السؤال، لم ينف هذه الفرضية كما أنه لم يؤكدها، حيث أوضح أن الحروب، بصفة عامة، ممكنة دائما، لكنها غير مرغوب فيها، ثم أكد بخصوص حالة المغرب والجزائر، أن نشوب نزاع مسلح بين البلدين أمر غير مرغوب فيه إطلاقا، وفي إجابته عن الشطر الثاني من السؤال، أشار الملك إلى أنه لا يتوقع أن تكون أي حرب مغربية جزائرية سببا في اندلاع حرب عالمية ثالثة، غير أنه استدرك الأمر، وأوضح أن الحرب من شأنها أن تخلق بلبلة في المنطقة، مؤكدا أن إفريقيا الشمالية والغربية والبحر الأبيض المتوسط بشماله وجنوبه، سيتأثر بقوة من جرائها.

وفي قضية أخرى لها علاقة بنفس الموضوع الذي خيم فوق سماء المنطقة، طرح نفس الصحفي على العاهل المغربي سؤالا آخر، وهذه المرة يتعلق بمدى استعداد الجيش المغربي للحرب، فكان جواب الملك حازما حيث عبر عن ذلك بالتالي: ((مبدئيا، يجب أن يكون الجيش دائما مستعدا، وأعتقد أن جيشنا كذلك كما هو الحال بالنسبة للجيش الجزائري، وكما يجب أن يكون الجيش الجزائري والجيش المغربي مستعدين، وكما يجب أن تكون جميع جيوش العالم مستعدة، ذلك أن جيشا مستعدا دائما منقاد أكثر من جيش غير مستعد، وإنني أكثر مناصرة لقوة الردع من قوة الإقناع)).

وانطلاقا من هذه السنة، أغلقت كل أبواب الاتصال والحوار بين البلدين، غير أنه بدأ الحديث في السنة الموالية عن اتصالات سرية بين الملك الحسن الثاني والرئيس الجزائري هواري بومدين، كادت أن تتوج بلقاءات بين الزعيمين، غير أن وفاة الرئيس الجزائري، عطلت كل شيء، وظل الجمود هو المسيطر على الموقف، كما استمر الحديث عن إمكانية نشوب حرب بين البلدين، وبقي التوتر هو السائد إلى اليوم.

تعليق واحد

  1. لا اغتقد ان الجزائريين لا يصونون الامانة وانهم يرجعون عن وعودهم .كل ما كان في الامر هو جهة ما دفعت بالعقيد بومدين الى القيام بما قام به لنظل كما نحن عليه الى الان . الا يوجد فيهم رجل رشيد؟ الم يقتنعوا بعد بان المغرب في صحرائه ؟ وان المغاربة لم ولن يسمحوا بالمساس باراضيهم ؟ لقد حان الوقت لفك الاسر عن المحتجزين في تيندوف وان نجعل اعداء وحدتنا الترابية مطمئنين بان ما هو مبني على الباطل فهو باطل .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى