بين السطور | تهنئة للأجهزة على إقبارها للإعلام الحر
29 يناير، 2021
0 2 دقائق
بقلم: الطيب العلوي
في الوقت الذي أصبحنا نعيش فيه أياما أدركت فيها درجة الشك كل واحد منا(…) حدود أنه لمّا أصبحنا نحس بأدنى ارتعاش أو أي إحساس بالزكام أو ما يشبه ذلك، صرنا نشك في أنفسنا ما إذا كان الأمر يتعلق بفيروس “كورونا”، ذاك الوباء المقصِّر للعمر(…)، أم بنزلة برد عادية.. كذلك حصحص حال الأخبار والمعلومات هذه الأيام(…)، حيث أنه عند كل نبأ، أصبح ضمير كل واحد منا يميل إلى التأكد من صحة الخبر أم لا، وحالات كهاته، ما تزيد إلا من تضارب الأخبار وتعددها وتنوعها هذه الأيام، كمختلف الأنباء الأخيرة، المتوافقة والمتعاكسة في نفس الوقت(…)، وطِوال مروره.
فبغض النظر عن تكاثر المعلومات الشائعة، الموازية لتعدد المنابر، قد بدأت هذه “الموضة”، كي لا أقول توطّدت(…)، مع قدوم الأزمة الوبائية، عندما كان التردد قائما ومستمرا حول قرارات سيناريوهات الحجر الصحي، تخفيفه أو إبقائه أو تشدّده، مما أدّى إلى بداية لعبة خفية ومغرية(…)، تصل أحيانا حد ليّ الذراع(…)، بين صانعي القرار ومنفذيه(…)، وناشريه ومطبقيه، لعبة استمرت مثلا مع التصريحات الحكومية السابقة للمكان والزمان(…)، والمؤكدة على قدوم اللقاح الصيني، ثم التخلي عنه دون تفسير رسمي، وتعويضه بالبريطاني الشكل الهندي الصنع(…) دون توضيح، كل هذا سبق أن واكبه تركيب مسرحية بشتى مقاطعها قصد إنتاج ونشر مقطع فيديو لقدوم شاحنات محملة بالدفعة الأولى من اللقاح، شاحنات أبان الوقت فيما بعد أنها كانت فارغة مثلها مثل الثلاجات الفارغة التي صُوِّرت للعموم، وأُرسِلت للقنوات العمومية، ما زاد من غزو ظاهرة الشك المذكور حول المعلومة للعقول(…).
والغريب في الأمر، أن هذا المرض الجديد، القديم في نفس الوقت، الذي حذرنا منه الله حين أوصانا بالاستعاذة من الوسواس الخناس(…)، صار يكتسح كل مجال وكل شخص، بما أنه حتى رجال الإعلام مثلا، والواسعي المعرفة منهم(…)، لم يعودوا قادرين على تأكيد أو نفي خبر أو ذاك، على غرار ما حدث مثلا ليلة السبت الماضي، حين توصلنا بأولى الأنباء من “الكركرات”، مصحوبة بعشرات التسجيلات الصوتية لمواطنين هناك، خائفين مرتعبين مهرولين، بعد سقوط قذائف عشوائية في هذا المعبر الحدودي، ونحن كإعلام مهني، سارعنا للتأكد من صحة الخبر، الذي أثبتته معظم مصادرنا، فنشرناه، إلا أن جنود الخفاء كانوا سريعي الرد لنفي ما حدث، متبوعين بجيوش وميليشيات “الفيسبوك”(…)، مبادرين إلى نشر آلاف التعاليق كعادتهم(…)، واصفين كل منبر نشر الخبر بالخائن، متهمينه بالوقوف إلى جانب الأعداء، غير أن حالة كهاته، تبقى حالة خاصة يمكن فهمها وتفهّمها، حيث قليلة هي الدول التي ستعترف بأي رد تُجَاهها من طرف أي جبهة أو حركة غير معترف بها(…).
المهم، هو أننا فهمنا الآن، أن الخبر أصبح يُقبَر في مَهْدِه كما كان وأد البنات في عهد الجاهلية شائعا(…)، وأسئلة كالتي اعتدنا سماعها: “واش كاين كونفينمو؟”، “إيمتا غايهدر العثماني؟”، “وقتاش غايحلو الحدود؟”.. لا داعي للاستمرار في طرحها، لأن العثماني نفسه لا يعرف، وحتى إذا ما اتُخذ قرار ما، فإنه يبقى بين الحياة والموت، مهدَّدا بالإقبار إلى آخر لحظة، ما دامت تقنيات التواصل الحديثة أصبحت تسمح بذلك، وحتى الدول المتقدمة شرعت في اعتماد هذا النوع من المنهجيات(…)، لكن بصيغة أكثر دَمقرَطَة واحتراما للإعلام المهني(…)، أي دون توجيه ضربات التوبيخ له(…)، وما حصل هذا الأسبوع في بعض الدول الأوروبية، لإقبار همسات مشروع عزل صحي جديد، بعد ظهور مظاهرات وأعمال شغب ببعض البلدان، كهولندا، المنددة بحظر التجول والقيود المختلفة المتعلقة بمواجهة جائحة “كورونا”.. آخر مثال على ذلك.