المنبر الحر

المنبر الحر | اللغة العربية شقيقة اللغة الأمازيغية

بقلم: د. عبد الرحيم بن سلامة *

    يحتفل العالم في الثامن عشر من شهر دجنبر من كل سنة، باليوم العالمي للغة العربية والإشادة بعظمتها، لغة القرآن الكريم الذي يقرأه ويسمعه العرب والمسلمون عدة مرات في اليوم منذ أزيد من أربعة عشر قرنا، هذه اللغة التي قال عنها شاعر النيل حافظ إبراهيم:

وسعت كتاب الله لفظا وغاية          وما ضقت عن آيٍ به وعظات

وعندما نحتفل بهذه اللغة العظيمة والجميلة، فالأجدر بنا كمغاربة، أن نحتفي أيضا بشقيقتها اللغة الأمازيغية، هذه اللغة التي تعايشت منذ قرون عديدة مع اللغة العربية حتى الآن في جميع المناطق المغربية، حيث يتحدث الأمازيغ باللغتين لا فرق بين العربية والأمازيغية، ويتغنى السكان بالأهازيج الفولكلورية بحسب المناطق، وكل ذلك في بوثقة واحدة، لأن العنصر الأمازيغي ينحدر من السلالة التي ينتمي إليها العرب الذين اعتنقوا الإسلام ودافعوا عنه عبر التاريخ، وهو عنصر تصاهر مع أصناف أخرى من الأجناس التي قدمت إلى المغرب من الأندلس والقارة الإفريقية عن طريق الصحراء، حيث تداخلت الأمازيغية والحسانية فتأثر كل منهما بالآخر اجتماعيا وأنثروبولوجيا وثقافيا.

فتاريخ المغرب حافل بمفاخر العروبة والإسلام مع علماء وأبطال أمازيغ كطارق ابن زياد، وعبد الكريم الخطابي، وحمو الزياني، والمختار السوسي، وغيرهم، ومن قبيل عظماء الدول الأمازيغية التي حكمت المغرب من مرابطين وموحدين ومرينيين ووطاسيين، والعلويين من العرب.

فالمغرب عرف على مر العصور، بتعايش أجناسه لا فرق بين أمازيغ وعرب ويهود ومسيحيين، فعاش الكل جنبا إلى جنب لعدة قرون، فحتى الآن واللغة الأمازيغية والثقافة الأمازيغية تعتبران دائما رافدين من روافد الهوية المغربية.

والملك محمد السادس، حينما يقول بأنه فخور بمغربيته، فمعنى ذلك أنه يجب علينا – عرب وأمازيغ- أن نكون مؤمنين بمحبة وطننا وبوطنيتنا وهويتنا، نابذين خطاب الكراهية وزرع الحقد الذي يسعى إلى التفريق بين أفراد المجتمع الواحد بسبب هذه اللغة أو تلك، لا سيما إذا كان الدستور ينص على أن العربية والأمازيغية لغتان رسميتان للدولة باعتبارهما رصيدا مشتركا لجميع المغاربة بدون استثناء.

وفي هذا الصدد، نجد المرحوم الأستاذ علال الفاسي في دفاعه عن الأمازيغ ومكانتهم ودورهم التاريخي والحضاري يقول في كتابه: “الحركات الاستقلالية في المغرب العربي”: ((لقد أنكر جوتيه عن المغرب العربي حتى اسمه التاريخي، وهذا أشد ما يمكن من المغالطات، فقد عرف المغرب قبل أن يعرف الإفرنج بلاد الأمازيغ، أي “الوطن الحر”، وعرف سكانه أسلاف البربر بالأمازيغيين، ومعناها “الرجال الأحرار”، وهذه التسمية وحدها دليل على الروح التي كانت تملأ أسلافنا الأولين من حب للحياة الحرة في وطن حر)).

اللغة العربية واللغة الأمازيغية

    إن دور اللغة العربية في بناء تاريخ المغاربة وتشكيل تراثهم، يعتبر من البديهيات، فلا يمكن لعاقل أن يغيبه أويتنكر له، مع التعلق باللغة الأمازيغية، لغة الآباء والأجداد، إذ ليس هناك ما يمنع الجميع من الجمع بين حبنا للعربية كلغة دين وأدب، وتعلقنا بالأمازيغية، يقول الباحث الأمازيغي محمد المهدي علوش، كهوية وتراث وتاريخ، فنحن نجمع في حياتنا بين الزوجة المعشوقة وبين الأم الحبيبة، ولكل منهما مكانتها في القلب والوجدان، والفرق بينهما أن الزوجة عشقناها وأحببناها بإرادتنا، والأم أنجبتنا ووهبتنا الحياة ولا إرادة لنا في اختيارها، إن حب الأم واجب مفروض غريزيا وعاطفيا منذ وجدنا على الأرض،

كذلك اللغة الأمازيغية، فهي مثل أمنا الغالية، وكذلك العربية حبيبتنا التي نعشقها ونهيم بها، فهذا عشق وولاء للحبيبة، وذاك تعلق وانتماء منذ الولادة لا يقصي الأول، بل يكمله ويغنيه ويوسع من آفاقه، فهوية الأمازيغ في لغتهم وثقافتهم وتاريخهم وتراثهم، والتمسك بالهوية الأمازيغية لا يعني التنكر للهوية المغربية، والقالب الذي تنصهر فيه كل فئاتهم وأجناسهم بخصوص حياتهم واختلافاتهم.

لقد اقتنع المغاربة منذ الفتح الإسلامي، بضرورة تعايشهم وتساكنهم في أمن وسلام تحت مظلة الإسلام،وعلى أساس ذلك بنوا هويتهم المغربية المشتركة التي تعلو على الهويات الثقافية والعرقية والفئوية دون أن تقصيها أو تتنكر لها، لأنهم كانوا مقتنعين بأن التنوع إثراء وانفتاح وتسامح وليس إقصاء وتعسفا أو تسلطا وإنكارا لحق الآخر في الوجود.

يقول علال الفاسي في كتابه “النقد الذاتي”: ((ليس هناك إقليم المغرب يخص البربر وآخر يخص العرب، بل ليست هناك قرية واحدة ولا مدينة واحدة إلا وتقطنها جماعة مغربية ممتزجة الدم واللسان ومتحدة الدين، ومن الصعب أن يحاول أحد إثبات السلالة الحقة لأي فرد منها، وإذا قام أحد يبحث محايدا في هذا الصدد، فلن يعود إلا بحقيقة ساطعة، هي أن هناك جماعة أو أمة دينها الإسلام ولغتها العربية التي يتحدث بها العرب والبربر إلى جانب اللغة الأمازيغية، فاللغة العربية لا تؤثر على اللهجات العديدة التي تتكلم بها القبائل الأمازيغية، والأمازيغية لا تؤثر في شيء على عروبة هذه القبائل نفسها التي تتكلم بالعربية أيضا، في الكتاب والمسجد والمدرسة ووسط العائلة وفي الاتصال مع غيرها من القبائل الأخرى، وعندما حاول المستعمر الفرنسي التفرقة بين العرب والأمازيغ بإصداره الظهير البربري سنة 1930، فشل في مخططه، نظرا للموقف المشرف الذي أبانت عنه مختلف القبائل الأمازيغية.

لقد وجدت فرنسا في المغرب أمة واحدة من الناحية الدينية واللغوية، فلم تكن الأمازيغية سببا من أسباب التفرقة والكراهية، كما يحاول البعض فعله غير مستحضرين جهاد الوطنيين ونضالهم من أجل وحدة الأمة المغربية وتماسكها، إذ لا فرق عندهم بين العربية والأمازيغية في التواصل بين جميع المغاربة)).

وعلال الفاسي يعتز في كتاباته بالأمازيغ والأمازيغية كلغة توجد بها كلمات مشتركة عديدة مع العربية إلى جانب أدلة أخرى توضح أصالة الأمازيغ في الموسيقى وفن المعمار، والصنائع التقليدية، ومهاراتهم التي يشهد لهم بها التاريخ والجغرافيا منذ آلاف السنين.

ويضيف الأستاذ علال الفاسي قائلا: ((إن الذين يجادلون ويختلفون في قضايا بديهية، لا يريدون أن يقرأوا تاريخهم، فالمغرب كأمة مسلمة، لها في جاهليتها من التطور الحضاري ما يعطيها الحق بأن تطالب بإنسيتها قبل الإسلام التي تجلت في كفاح ملوكها للحفاظ على الجنس والهوية، ونضالها الدائم للذين يحاولون احتلالها في التعطش الكامل للحرية الذي جعل من شعبنا – شعب الأمازيغ – شعب طارق ابن زياد وأمثاله من أبطال المغرب المسلمين، فحينما جاء الإسلام على يد المولى إدريس، ارتضته أمتنا دينا لها وارتضت العربية لغة لها، وأصبحت عبقرية المغاربة تمتزج بالعطاء العربي الإسلامي، وتكون امتدادا لروح الإنسية المغربية التي لا تفرق بين عربي وأمازيغي.

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى