المنبر الحر

المنبر الحر | فوائد زلزال “كورونا”

بقلم: عثمان محمود

    حقا إن الزلزال الذي نجم عن وباء “كورونا” لا تقيسه مقاييس! فقد كانت أثاره قوية، وهزاته الارتدادية عنيفة، أصابت بالدرجة الأولى الجانب الاقتصادي والجانب الاجتماعي، ومعهما طبعا الجانب النفسي، وكل ذلك في فترة وجيزة لا تتعدى أشهرا بعينها، غير أن هذه الجائحة، كغيرها من الكوارث والمشاق، لا تفتأ تقدم العبر لمن اكتوى بجمرها، وها هي تسدي لنا دروسا قيمة، يمكن عدها مكاسب ومغانم، ما أحوجنا إلى حسن رعايتها والتعهد بها بما فيه الكفاية، كي تبقى دائمة التأثير الإيجابي، من ذلك هذا الاهتمام الذي أبداه المرء بالنظافة على اعتبار أنها في طليعة سبل الوقاية من هذا الداء الوبيل، وغيره من الأمراض على اختلاف أنواعها، وحبذا لو تعدى ذلك الحرص اليوم ما هو فردي إلى ما هو اجتماعي، وبيئي ككل، ففي النظافة حماية فعالة، وتقليل أكيد من انتشار ما لا يرى من الجراثيم والفيروسات، التي يكون لها التأثير الخطير على صحة الأبدان. ومن هاتيك المكاسب الهامة، نجد الالتزام بالنظام الذي فرضته الجائحة بشكل إلزامي، فحضر حينها التباعد بين الأفراد وغاب الازدحام، حيث أضحى المنتظرون داخل محلات التسوق ينتظرون أدوارهم متباعدين، والتزم الصاعدون إلى وسائل النقل العمومي والنازلون منها بالنظام الذي كان حلما في سالف الأيام، كما بات تحديد الموعد في المصحات والعيادات من المستلزمات التي لا نقاش فيها، وعلى ذكر تحديد الموعد قبل الزيارة، فإن ما اعتمدته مصالح الأمن في شأن البطاقة الوطنية الإلكترونية، يبقى خير شاهد على أهمية هذا المكسب الذي تم اكتسابه في ظل الجائحة السيئة الذكر، فقد صار الموعد هناك محددا بالدقيقة، والعملية ككل منظمة بشكل سلس من منطلقها إلى منتهاها، وهو ما يرجى استثماره الاستثمار الفعلي في باقي الإدارات، وفي معيتها المستشفيات والمصحات، حتى لا يتحول الانتظار إلى منغص يفاقم المرض في هذا المستشفى، ويزيد من حدة التوتر في تلك الإدارة، أما على المستوى التعليمي، فإن المكسب الذي غنمه القطاع في ظل هذه الجائحة العالمية، تمثل في كسر شوكة الاكتظاظ داخل الفصول الدراسية، وكذا ساحات المؤسسات، بعد اعتماد نظام التفويج، مما هيأ الأجواء الملائمة للتحصيل الهادئ، فقلت على إثر ذلك بشكل لافت، أعمال الشغب والعنف، كما عمل تفويج التلاميذ على الحد من سطوة الكم على الكيف داخل المقررات الدراسية، وشجع في الآن نفسه على التعلم الذاتي في المنازل، واستدعى الاستغلال الأمثل لوسائل التواصل الحديثة في ما أصبح يطلق عليه “التعلم عن بعد”، فليستثمر المسؤولون عن القطاع هذا المكسب المهم، وليقوموه تقويما جديا، من أجل العمل على تطويره نظريا وتطبيقيا، وتكييفه مع الأوضاع في الآتي من الأعوام، بدل أن يكون مجرد طارئ فرضته الجائحة الممقوتة.

إن الدروس التي قدمتها لنا جائحة 2020، لا شك أنها عميقة، فلنعمل إذن على تلقيها بتأن وتروي، ومن تم تحويل أبعادها إلى واقع ملموس، تنتفي في أجوائه مسببات أمراض أخرى قد لا تكون بالضرورة في مصاف “كورونا” البغيضة، ولكنها تبقى أمراضا مضنية، فقد آن الأوان إذن للخروج بشعار “الوقاية خير من العلاج” من خانة الكلام الذي ينطق به اللسان بعفوية متى دعا المقام إلى ذلك، إلى خانة التطبيق الفعلي في كل مكان وحين.

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى