المنبر الحر

المنبر الحر | نــداء المــحــاماة

بقلم: ذ. عبد الصمد المرابط

    مهنة المحاماة في بلادنا، كما هو معلوم،على غرار المحاماة في جميع بلدان المعمور، وخاصة منها الدول المتقدمة، تنظيم مهني وحقوقي يتكون من جمعية هيئات المحامين ومجالس هيئات المحامين عددها يوازي عدد محاكم الاستئناف، وهذا التنظيم تحكمه أعراف وتقاليد قبل القوانين، بالإضافة إلى هذه الضوابط، هناك نوع التكوين الذي لا نجده لدى البرلماني على سبيل المثال المختص بالتشريع، ولا في غالب الأحيان لدى الوزير الذي يجتمع كل أسبوع مع زملائه في رئاسة الحكومة لدراسة مشاريع القوانين، وإذا أضفنا طبيعة الممارسة المهنية اليومية، سواء في مكتبه عند تحرير المقالات والمذكرات أو في جلسات المحكمة التي يقضي فيها المحامي نصف يومه والتي من المفروض أن تكون مخصصة للمرافعات قصد صقل مواهبه واكتساب مهارات الدفاع عن حقوق ومصالح المتقاضين، فهل جلسات محاكمنا يخصصها القاضي للاستماع لمرافعات المحامين،أم أنها مجرد امتداد للعمل الذي تقوم به كتابة الضبط؟

من منا لا يعلم أن جلساتنا تحولت في السنين الأخيرة من جلسات حكم إلى جلسات الإجراءات، بل في غالب الأحيان يتكرر نفس الإجراء، وتتعدد الجلسات التي يحضرها المحامي على امتداد سنة لتنتقل القضية في السنة الموالية من هذا القاضي إلى الذي يليه، بحكم إعادة توزيع الملفات على القضاة في السنة القضائية الحالية، فتضاف ملفات السنة الماضية إلى ملفات السنة الموالية. وفي القضايا الجنائية، تنضاف إلى خلل التأخيرات المتتالية، معضلة تسريع وتيرة مناقشة القضايا تحت ضغط كثرة الملفات المعروضة في كل جلسة، فتغيب شروط المحاكمة العادلة التي خرجت بها توصيات مؤتمرات المحامين منذ سنين، وناضلت من أجلها التنظيمات الحقوقية، ولا أدري هل اهتمت الهيئة التي كانت مكلفة بإصلاح منظومة العدالة، بعامل زمن القاضي والمحامي الذي يهدر يوميا في جلسات محاكمنا؟

إن من عيوب الهيئة التي أعدت مشروع الإصلاح، بُعد جل أعضائها عن طقوس وأجواء المحكمة، وبالتالي، عدم اطلاعها على واقع تدبير شؤونها وفي مقدمتها معضلة الحكامة القضائية أو بالأحرى أسلوب إدارة الملفات التي يتكلف بها كل قاض، وهل من المفروض أن يعمل تحت إمرته كاتب الضبط والمفوض القضائي المكلف بالتبليغ والخبير الذي عينه لإجراء الخبرة؟ وما ينطبق على القاضي الذي يفصل في المنازعات، ينطبق على المدعي العام الذي يتولى دراسة الشكايات،ألم يشتك مؤخرا وكلاء الملك والوكلاء العامون للملك، من بعض ضباط الشرطة القضائية الذين ظلوا على مر العقود يخضعون لولاية مزدوجة نصفها قضائي والنصف الآخر أمني؟

ويكفي الاطلاع على هذا النوع من الملفات المتراصة في مكاتب المحامين، لنقف على عمق الاختلالات الذي يصبح فيها القاضي والمحامي على مر الزمن، تائها في دوامة تكرار نفس الإجراءات، ويكفي الاطلاع على الملفات لنجد تكرارالعبارات مثلا “يعاد استدعاء زيد، في انتظار إنجاز الخبرة”.. وفي إحدى القضايا الجنائية بمحكمة الناظور على سبيل المثال، يصطف اثنتا عشر محاميا أمام القاضي منذ خمس سنوات، ليسمعوا منه في كل جلسة تكرار نفس قرار التأخير: “لعدم توصل الشاهد”.. وفي محكمة طنجة، ينتقل ذوي حقوق ضحايا القتل العمد من هولندا وهم مغاربة وأجانب للمرة السادسة، ليسمعوا في سادس جلسة نفس قرار التأخير “لإعداد الدفاع”، وفي جميع محاكمنا عشرات آلاف القضايا تعرف نفس المصير.

لقد تحولت جلسات الحكم إلى جلسات إجراءات يكرر فيها القاضي نفس القرارات على امتداد الجلسات التي أصبحت تعد بالعشرات، فيهدر وقت القاضي والمحامي، وتضيع حقوق المواطنين.. فهل دق المحامي ناقوس الخطر وأخذ زمام المبادرة ووقف على شروط انعقاد الجلسة التي تعتبر في نظري مدخل إصلاح منظومة العدالة؟

فهل فكرنا في سبل إرساء قواعد سياسة تشاركية حقيقية ومد جسور التعاون مع جميع الجهات القضائية المعنية، لوقف نزيف وقت القاضي والمحامي في قاعات الجلسات التي أصبحت مجرد تدابير إجرائية عوض أن تكون مخصصة لسماع شروح الخبراء ومناقشة البراهين ومرافعات المحامين؟

لقد أصبحنا – في نظري – قضاة ومحامين نتعايش يوميا مع إيقاع التأخيرات المتكررة، فتتراكم الملفات التي تعد في كل جلسة بالعشرات، ولم يعد للقاضي متسع من الوقت لدراسة القضايا المدنية فأحرى التحري في شخصية المتهم وعلاقته بظروف وملابسات الجريمة، ولا للاستماع بإمعان للمرافعات التي أصبحت على مر الزمن مجرد إجراء شكلي تفرضه شروط المحاكمة.

صحيح أن لمجالسنا المنتخبة أوراشا اجتماعية ومهنية وحقوقية، بل وسياسية مادام الأمر مرتبطا ارتباطا وثيقا بمنظومة العدالة، وهي ملفات تحتاج إلى كفاءة عالية وخبرة متناهية وعزيمة قوية، لكن بحكم تجربتي المتواضعة، خلصت إلى أن أولوية الأولويات هيالتركيز على عنصر الحكامة القضائية بدءا بالتصدي لمعضلة هدر زمن القاضي والمحامي في الجلسة، والعمل يدا في يد من أجل إعادة هذه الأخيرة لسابق عهدها،حيث لم تكن تعقد على سبيل المثال من أجل تكرار قرار إعادة الاستدعاء، وإنما لسماع دعوة المتقاضي.

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى