في مدينة طنجة، توجه أحد المحامين إلى دائرة الشرطة قصد تقديم شكاية، وفي منتصف الليل، بلغ إلى علم النقيب خبر وضع الزميل تحت الحراسة النظرية. ونظرا لخطورة الأمر، اتصل على الفور بوكيل الملك قصد استفساره عن سبب اتخاذ قرار الاعتقال، وعدم إشعاره طبقا لما تضمنه قانون المهنة، ولم يرد، فواصل تعبيره عن انشغاله بالقضية بواسطة رسالة نصية دون أن يتوصل بجواب في هاتفه النقال، وفي اليوم الموالي، اتصل به الوكيل ليخبره أن سبب اعتقال المحامي جنح سكر ومشادة كلامية مع متلقي الشكاية دون الإفصاح عن واقعة العنف الذي تعرض له الضحية في مخفر الشرطة.
لم يستسغ النقيب طريقة تدبير المسطرة، خاصة حين أمر الوكيل بوضع الضحية تحت تدبير الحراسة النظرية دون وقوفه عن كثب لا على حقيقة واقعة السكر إن كانت قائمة، ولا على واقعة المشادة الكلامية ولا على واقعة العنف الذي تعرض له الزميل في مخفر الشرطة، وهي جميعها تحتاج إلى براهين مضبوطة.
استنكر المحامون تعنيف زميلهم، وانتشر الخبر في مواقع التواصل الاجتماعي كالنار في الهشيم، وحرص النقيب على إدراج حالة الزميل المعتقل في جدول أعمال مجلس الهيئة، وبعد التداول في القضية استنادا على العناصر المتوفرة، أصدر المجلس قرارا بالتوقف عن العمل، فتعطلت الجلسات في جميع محاكم المدينة، وتأخرت مصالح وحقوق المتقاضين الذين لا يعدون يوميا، كما هو معلوم، بالعشرات وإنما بالمئات.
لم يكتف مجلس الهيئة بإصدار قرار التوقف عن العمل احتجاجا على أمر الوكيل، وإنما عززه ببلاغ في الموضوع يخبر فيه الرأي العام بحقيقة ما وقع، كما حرص نقيب الهيئة على الإدلاء بتصريح صحفي طبقا لما جرى به العمل في الدول الديمقراطية، وبعد أن قضى زميل لا يزال في بداية مشواره المهني الليلة رهن الاعتقال، تم إطلاق سراحه في اليوم الموالي دون تقديم أو إحالة، فتبخرت عناصر حالة التلبس المفترضة، وتبين عدم صواب أمر الوكيل الذي لا يرتكز على حجج مقنعة، وهي وحدها الوسائل التي يشتغل عليها القضاة والمحامون. ونحن نتحدث عن هذا النوع من التضييق، هل يجدر التذكير بما وقع لبعض المحامين في الآونة الأخيرة، من بينهم زميل من تطوان كاد أن يقع في شباك المدعي العام ففر بجلده ليصبح لاجئا سياسيا في بلاد المهجر، وزميل من الدار البيضاء رمى المنفذ ملفات زبنائه في مستودع البلدية بدعوى صدور حكم بالإفراغ دون سابق إشعار ولا إخبار نقيب الهيئة ضمانا لحقوق عضو ينتمي لهيئة متراصة، وزميل آخر من الخميسات قضى شهرين من الاعتقال بدعوى مشادة كلامية مع أحد أعوان السلطة، وزميل من أبي الجعد تقرر اعتقاله لمدة شهر لنفس السبب، وزميل من الرباط صدر في حقه حكم بإدانته ستة أشهر بدعوى تفوهه بعبارات لا تليق بضوابط المرافعة، ونقيب الرباط الذي أدخل كرها في نفق المتابعات والمضايقات لا حصر لها آخرها فبركة أحد المواقع الإلكترونية المشبوهة أشرطة خليعة لحياته الحميمية دون حسيب ولا رقيب.
وحدها، حسب علمي، هيئة المحامين بطنجة التي وقفت وقفة رجل واحد متصدية بذلك لأمر اعتقال زميلهم دون وجه حق، وكم عدد هذا النوع من الأوامر والقرارات تصدر دون تمحيص أو تدقيق صونا لكرامة الإنسان واستتبابا لقيم العدل والحرية.. فمن يوقف هذا النوع من النزيف الذي أصبح مؤخرا ينخر جسم أصحاب البذلة السوداء؟