المنبر الحر

المنبر الحر | تجربتي مع فيروس “كورونا”

تحاليل سلبية وإيجابية لنفس الشخص

بقلم: محمد بوبكر

    في أحايين كثيرة، أصبحت أتفادى الغوص والخوض في تفاصيل العالم الافتراضي ومواقع التواصل الاجتماعي، لإيماني العميق بأن الإنسان حر فيما يكتب، وليس علي أن أنتقد منشورا ليس ملكا لي.. أضع “اللايك” على ما يروقني من كتابة أو يتفاعل مع قناعاتي، بينما أمر غير مكترث بمنشورات لا تشدني معانيها.

لكن، هذه المرة، ارتأيت أن أكتب بحبر قلمي، لأسطر جانبا مختصرا من قصتي مع فيروس “كورونا”، بعدما سطر الكثيرون قصصهم في مجلد “زمن كورونا” الذي لم تنته فصوله حتى الآن.

جسمي اعتاد مسبقا على الأوبئة، بعدما تأكدت إصابتي خلال سنة 2009، بداء السل المقاوم للأدوية المتعددة، وخبر إصابتي هذه المرة بفيروس “كورونا”، لم يكن صادما لي، خاصة وأنني مررت من تجربة مع داء السل، بعدما توقفت عن تناول الأدوية، لأنني لم أكن أحصل عليها إلا بمشقة الأنفس وبعد الانتظار لساعات طوال أمام المركز الصحي.. فكرت لمرات عدة آنذاك أنني لن أتحمل لمدة طويلة.. كنت غاضبا جدا من نفسي بسبب ضعفي وانهزامي أمام المرض، خاصة وأنني كنت حينها أتصفح محركات البحث على الأنترنيت وأجد أن هناك أناسا يموتون بسبب السل، لأنهم إما لم يتلقوا العلاج، أو توقفوا عن تلقيه ثم عادوا إليه متأخرين، لكن ولله الحمد، بعد ستة أشهر، شفيت تماما من هذا الداء.

قصتي مع فيروس “كورونا” تختلف تماما عما عشته مع داء السل، وهذه القصة بدأت فصولها بعدما قررت إدارة المؤسسة التي أشتغل بها، إجراء الكشف الطبي لجميع الصحافيين وكل العاملين ضمن الأطقم.. وحينها لم أكن أشكو من أعراض هذا الفيروس الفتاك. قمنا بإجراء الكشف مباشرة بعد العودة من مدينة مراكش، بعد تصوير إحدى الحلقات، حيث كان من المقرر أن أرافق طاقم التصوير إلى مدينة طنجة لاستكمال أجزاء الحلقة هناك.. لكن، وبساعات قليلة قبل السفر، وأنا أرتشف قهوة الصباح، رن هاتفي النقال، ظننت في بادئ الأمر أنه أحد أفراد الطاقم، لا أبدا!! إنها إدارة المؤسسة تخبرني أن نتيجة تحليلي المخبري إيجابية.

في البداية، ظننت أن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد مزحة، ليتبين فيما بعد أن الأمور جدية.. أصبت بالدوار، واختلطت علي الأمور، قهوتي الحلوة أصبحت مرة، نهضت مسرعا إلى أقرب صيدلية واقتنيت أدوية تقوية المناعة بتوصية من أحد الأصدقاء، وعدت بعدها مباشرة إلى المنزل.. اتصلت بأحد الأصدقاء وأخبرته بحالي وطلبت منه أن يقتني لي بعض المواد الغذائية لسد حاجياتي من الأكل خلال أيام الحجر المنزلي.

وفي منتصف اليوم الذي توصلت فيه بنتيجة الكشف الطبي، تلقيت اتصالا من فرق وزارة الصحة تفيد بإصابتي بفيروس “كورونا” وتطلب مني التوجه في اليوم الموالي إلى مستشفى مولاي يوسف، لإجراء المزيد من الاختبارات ولأخذ دواء الكلوروكين، وكان اليأس قد بدأ يتسلل إلى روحي دون ظهور أي من أعراض الفيروس، ليس خوفا من تفاقم الإصابة، بل لأني استنفذت طاقتي في بث الطمأنينة في صفوف البعض من أفراد العائلة الذين أخبرتهم بإصابتي بالفيروس اللعين.

وبما أن الملل قد يرافق الحجر المنزلي، فهذا الأمر دفعني إلى البحث عن قصص ونكت على المواقع، بعثت بطلبات عضوية إلى مجموعات “فيسبوكية” لملء الفراغ، وسرعان ما قبل الطلب، حرصت أن تكون المجموعات منوعة.. استيقظت في اليوم الثاني رغم عدم تمكني من النوم بالشكل الصحيح، لأن الشك ظل وبات يساورني بما أنني لا أشكو من أعراض الفيروس، بالرغم من أنني كنت مصابا بداء السل الذي ترك بصماته في جهازي التنفسي.. انتابني الخوف من الموت والخوف من نقل العدوى لزملائي في العمل والأشخاص الذين التقيت بهم أثناء فترة التصوير.

وحتى أقطع الشك باليقين، وبعد التوجه إلى مستشفى مولاي يوسف، قررت التوجه إلى مختبر خاص لإعادة إجراء الكشف، وفعلا قمت بإجراء كشف طبي PCR توصلت بنتيجته بعد 15 ساعة، وهنا كانت المفاجأة!! نتيجة الكشف جاءت سلبية وتؤكد أنني لست مصابا بالفيروس (تذكروا معي أن نتيجة الكشف الأول كانت إيجابية.. إيوا فهم تسطى)، وبما أن ديكارت في كتاب “التأملات الميتافيزيقية” كان يستخدم الشك كوسيلة منهجية للوصول إلى الحقيقة التي لا يمكن للشك أن يتطرق إليها، ارتأيت التوجه إلى مختبر آخر قصد إجراء الكشف للمرة الثالثة والذي أكد هو الآخر أنني لست مصابا بالفيروس، وهنا أتساءل: هل من الممكن أن أشفى من الفيروس التاجي في غضون يومين أو ثلاثة، أم أن بعض المختبرات الخاصة أصبحت تستغل الوضع وتتلاعب بنتائج الفحوصات لتحقيق الربح؟ لا أريد الخوض كثيرا في هذه النقطة حتى لا أسبب أي إحراج لأي طرف في هذه الفترة الحساسة، لكن هيهات ثم هيهات، صحة الموطن قبل كل شيء.

إفريقيا مرت منذ سنوات وعقود بمثل هذه الأوبئة ودفن الآلاف في العراء بعيدا عن أعين الكاميرات وعدسات الصحف، الآن يتحول الوباء إلى كابوس يهدد الإنسان في كل مكان وفي كل القارات، ينتقل منه وإليه، يرافقه ويترصده فوق سطوح القرميد، وعلى بلاستيك الأكياس، وداخل أقفال الأبواب المغلقة، الموت في كل مكان لم يسلم منه المسلم ولا المسيحي ولا البوذي ولا غيرهم، ليقدم درسا آخر للناجين منه، بأن الإنسان الحاقد والمتسلط والكاره والفاسد هو مجرد مخلوق تافه وعاجز وخائف.. وحدها صورة النبل الإنساني لخصها الصينيون بعدما تغلبوا على الوباء، إنهم “الملائكة الأكثر جمالا” كما وصفهم بذلك الرئيس الصيني.

“كورونا” باق ويتمدد، ونحن الآن أمام خيارين لا ثالث لهما، إما الالتزام بالتدابير الاحترازية الموصى بها، أو أن يستعد الإنسان للفقد كما قال رئيس الوزراء البريطاني في شهر مارس الماضي.

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى