المنبر الحر | مشكل الصحراء وأخطاء السياسة والدبلوماسية
31 أكتوبر، 2020
0 3 دقائق
بقلم: ذ. حسوني قدور بن موسى *
إن المهتمين بمشكل الصحراء منذ بدايته سنة 1975، لا يخفون أن المغرب ارتكب أخطاء دبلوماسية وسياسية جسيمة لم تكن في مصلحة القضية الوطنية، فكانت لها نتائج وانعكاسات خطيرة، حيث كان الاضطهاد السياسي مسلطا على الشعب المغربي بواسطة عصابة من الجلادين خلال سنوات الستينات والسبعينات، وتهميش القوى السياسية الفاعلة في البلاد، وإغلاق أبواب الحوار، وإعلان حالة الاستثناء سنة 1972، وإصدار قانون الصحافة سنة 1973، الذي قيد حرية الصحافة التي كان من المفروض أن تلعب دورا إيجابيا في الدفاع والتعريف بقضية الصحراء، فتعطلت بذلك الحياة السياسية بكاملها، وظل النظام السياسي يعتمد على مجموعة من “المفسدين” الذين ساهموا في قمع إرادة الشعب المغربي، فهذه السياسة القمعية أدت إلى إبعاد سكان الأقاليم الصحراوية عن المشاركة السياسية، حيث كان النظام السياسي لا يقبل برأي الأحزاب الوطنية ونصائح الزعماء السياسيين، الأمر الذي أدى إلى اعتقال عبد الرحيم بوعبيد لمجرد أنه أدلى برأيه في مسألة الاستفتاء في الصحراء، حيث ظل النظام السياسي يتخبط بمفرده في هذه المشكلة في ظل غياب مشاركة القوى السياسية في البلاد، وفي المقابل، امتازت الدبلوماسية الجزائرية في السبعينات، بنشاط كبير وتحركات واسعة شملت معظم الدول الإفريقية ودول أمريكا اللاتينية، التي كان المغرب غائبا فيها تماما، بسبب الاختلاف السياسي والإيديولوجي، ولكونها كانت أنظمة اشتراكية، فكانت الدبلوماسية المغربية جامدة تعتمد على سفراء ليس لهم تكوين دبلوماسي ولم تكن مهمتهم الدفاع عن القضية الوطنية، بل كانت مهمتهم تعقب ورصد تحركات المعارضين السياسيين في الخارج وجمع المعلومات عنهم، ولم يستطع المغرب إدارة أزمة الصحراء منذ بدايتها، فجاءت مبادرة فتح باب القصر الملكي متأخرة جدا في وجه أبناء الصحراء، في حين أن الجزائر سبقت المغرب في المجال الدبلوماسي والسياسي، فبادرت إلى استقطاب واحتضان زعماء جبهة البوليساريو بزعامة مصطفى الوالي ورفيقه آنذاك ولد السالك، اللذين كانا ينتميان إلى أحزاب مغربية يسارية يناضلان في صفوف الاتحاد الوطني لطلبة المغرب ويؤيدان انضمام الصحراء إلى المغرب الوطن الأم، وفي هذا الاتجاه نظما ندوات كثيرة، منها ندوة مدينة وجدة بمقر الاتحاد المغربي للشغل، إلا أن النظام السياسي في السبعينات كان لا يثق في اليسارالمغربي ولا يتعامل معه، فقام القذافي والهواري بومدين، باستقطاب زعماء جبهة البوليساريو وعلى رأسهم مصطفى الوالي من مدريد إلى طرابلس ثم الجزائر العاصمة، وتزامن مشكل الصحراء مع سلسلة من المحاكمات السياسية الصورية للمعارضة وقمع الحريات وممارسة التعذيب والاختطافات والتصفيات الجسدية من بينها اغتيال عمر بنجلون ومن قبله المهدي بنبركة، وكثيرا من المضطهدين الذين لا زالوا إلى يومنا هذا، يعيشون خارج المغرب، الشيء الذي ساهم بشكل كبير في تشويه سمعة المغرب السياسية في الخارج، فهذه الوضعية المأساوية استعملها الخصوم ضد المغرب لإضعافه في المحافل الدولية، فكانت جبهة البوليساريو عبارة عن هبة نزلت على الجزائر من السماء، بسبب الأخطاء السياسية التي ارتكبها المغرب، الذي استيقظ من سباته متأخرا، ولا زالت آلته الدبلوماسية ضعيفة تعتمد على الأساليب القديمة في إدارة الأزمات، في حين أن الخصوم راهنوا على ورقة حقوق الإنسان، ولا زال المغرب لم يراجع الأخطاء التي ارتكبها خلال سنوات الرصاص، أهمها عدم احترام حقوق الإنسان والاعتماد في إدارة الشأن العام على جماعة من المفسدين اعتقدوا أن العالم يقوم على أساس الثروة والمال دون اعتبار الجانب الحقوقي والأخلاقي، فهم يريدون إسكات أصوات المواطنين الفقراء والضعفاء والمساكين والشباب الضائع والعاطل عن العمل، بالمساعدات الغذائية التي هي عبارة عن فتات موائد الأثرياء (زيت وسكر ودقيق)، في حين أن العزة والكرامة هي التي تصنع المجد وحب الوطن ووحدة البلاد، فالطائر عندما تحاول إطعامه فترمي له فتات الخبز، يتركك ويطير في السماء، لأنه يعتقد أن حريته أغلى من الخبز، هكذا لا يمكن مواجهة الأخطار الخارجية المحدقة بالمغرب في ظل العيش في الإهانة والذل والفوارق الطبقية والاضطهاد والقمع والمحاكمات الصورية في الوقت الذي يعيش فيه مجموعة من المفسدين في البذخ والثراء الفاحش وتهريب الأموال الطائلة إلى الخارج وشراء القصورالفخمة في أوروبا بملايير الدولارات، في حين يعيش زعماء الدول الأوروبية في منازل متواضعة.
منذ بداية مشكلة الصحراء سنة 1975، ظل المغرب يتخبط في التناقضات وعدم الوضوح في سياسته الداخلية والخارجية، كما ظل يرفض أي تعديل أو تغيير دستوري يكون إطارا ديمقراطيا وحقوقيا يمهد الطريق لمشروع الحكم الذاتي في الصحراء، فمرة يسلم إقليم وادي الذهب إلى موريتانيا ثم يتراجع عن ذلك ويسترجع هذا الإقليم، ومرة يحلف اليمين على ألا يتنازل عن سيادته في الصحراء ويرفض مبدأ “حق تقرير المصير” ثم بعد ذلك يتراجع ويقبل حق تقرير المصير ثم يغضب وينسحب من منظمة الوحدة الإفريقية دون استشارة الشعب المغربي، ثم بعد ضياع 40 سنة دون فائدة، يتراجع ويعود إلى هذه المنظمة دون استشارة الشعب خلافا لما قامت به الحكومة البريطانية التي استشارت الشعب عندما أرادت الخروج من الاتحاد الأوروبي، كل هذا الارتباك والتضارب في السياسة الخارجية المغربية تزامن مع سلسلة من الانتخابات المزورة تزعمتها أحزاب مخزنية انتهازية أفرزت برلمانات صورية وحكومات هشة مرقعة غير منسجمة فاشلة، فكان من نتائجها، ظهور أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية حادة، منها الفقر والبطالة وقمع الحريات الفردية والجماعية في ظل دستور جامد يضع جميع السلطات في يد الملك، لأن تحقيق الديمقراطية وحقوق الانسان هو الضمانة الوحيدة للدفاع عن الوحدة الترابية والتراجع عن فكرة الانفصال، حيث أن زعماء البوليساريو، وعلى رأسهم مصطفى الوالي، قد أغلق باب الحوار معهم ولم يحسب لهم المغرب حساب، فاستغل القذافي وبومدين ذلك الوضع السياسي، واحتضنوهم ضدا على المغرب، لاقتطاع جزء من أراضيه بهذه الطريقة.