المنبر الحر

المنبر الحر | الأشخاص في وضعية إعاقة بالمغرب وظلم المعالجة الإعلامية

بقلم: عبد الرحمان المودني *

    إذا كان دور الإعلام قد ازداد أهمية في عصرنا الحاضر، سواء منه التقليدي أو البديل، حيث لم يعد يقتصر على نقل الأخبار والصور والمعلومات فحسب، بتشكيله لركيزة أساسية في منظومة صياغة القناعات والاختيارات وتكوين الرؤى والانطباعات وصناعة الرأي العام وبلورة التوجهات، فضلا عن نشر الوعي والتثقيف والتعليم المرتبطة بقضايا مختلف شرائح المجتمع وقضاياهم، فإن فئة الأشخاص في وضعية إعاقة ببلدنا لا تزال علاقتها بالسلطة الرابعة ملتبسة ويشوبها الكثير من سوء الفهم، بل والحيف أحيانا، فمن حين لآخر، يقف النشطاء والمهتمون بمجال الإعاقة ومناصرو حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة، على خرجات لبعض الإعلاميين سامحهم الله، التي عوض رفد الاتجاهات الإيجابية للتمثيلات المجتمعية تجاه الإعاقة والأشخاص ذوي الإعاقة، تأتي بعض المواد الصحفية وفي منابر مرموقة أحيانا، بعيدة كل البعد عما خلص إليه التدافع الفكري المفاهمي العالمي للإعاقة منذ عقدين.

فمفهوم الإعاقة، هو مثل الكثير من المفاهيم التي تتشابك وتتقاطع فيها العديد من العلوم الإنسانية والاجتماعية، هذا التدافع الذي خلص للمقاربة الحقوقية التي تبنتها الاتفاقية الدولية للأشخاص ذوي إعاقة، كخلفية تعرف الإعاقة بكونها ترتبط بالبيئة المحيطة بالشخص المعاق أكثر من ارتباطها بالشخص ذاته، بحيث لم تعد الإعاقة مشكلة صحية فردية، فالمقاربة الاجتماعية المبنية على حقوق الإنسان نقلت التركيز على الحديث أو خلال الاشتغال على الإعاقة من الفرد إلى محيطه وبيئته، وأصبحت الإعاقة تتحدد من خلال علاقة تفاعلية بين الشخص بكل خصوصياته العضوية، ومحدودية النشاط الوظيفي وبين عوامل المحيط التي قد تكون ميسرة أو حاجزا أمام المشاركة الكاملة والفعالة، كما تعتبر الإعاقة اليوم جزء من التنوع البشري، وهي أحد المبادئ الثمانية الأساسية في الاتفاقية الدولية التي صادقت عليها المملكة المغربية.

وتتجه المقاربات الحقوقية التنموية اليوم إلى اعتبار الإعاقة قضية تندرج في صلب توجهات السياسات العمومية الوطنية والمحلية، وهو ما أكدت عليه المادة 34 من الدستور المغربي لسنة 2011، بشكل صريح وإلزامي، من خلال حث السلطات العمومية على التخطيط القبلي لمعالجة قضايا الإعاقة في كل السياسات والمخططات والبرامج العمومية، والعمل على تفادي كل تمييز أو إقصاء على أساس الإعاقة، من شأنه المس بحقوق الأشخاص في وضعية إعاقة.

وإذا كانت طبيعة علاقة الإعلام بالإعاقة ترتبط بالتطورات المجتمعية (نظرة المجتمع للشخص في وضعية إعاقة) وبالتطورات النفسية والحقوقية من جهة أخرى (نظرة المعاق لنفسه كعنصر فاعل في المجتمع)، فإنه من المؤسف أن الفجوة، رغم كل التراكمات الإيجابية، ما زالت مهولة بين ما سبق من مكتسبات حقوقية وما تكرسه بعض المعالجات الإعلامية لبعض القضايا السياسية والاجتماعية أو حتى الرياضية، التي تستعمل دونما علاقة في أحيان كثيرة عناوين تستعمل فيها الإعاقة كذم وشتيمة يقصد بها توصيف عنصر بالسوء والسلبية، وجمل تضم عبارات مهينة ذات حمولة قدحيه تسيء وتمس بكرامة الشخص في وضعية إعاقة، فكيف نصف مثلا عنونة مقال حول تكهنات لتحالف تيارين سياسيين من إيديولوجيتين متصارعتين ولا تربطهما أية أواصر ويعيشان وضعيات معينة سيئة في تقديره بعنوان من قبيل “المكفوف يتحالف مع المشلول” هكذا(…)؟ فأين نحن من نضوج الفكر الإنساني وتوسع مفهوم حقوق الإنسان ومبادئ العدالة الاجتماعية والمساواة؟ وأين نحن من دور الصحافة في تصحيح ما رسخته الأعمال الدرامية قديما في التلفزة والسينما والمسرح، من صور سلبية تمييزية تغذي النظرة السلبية النمطية والدونية عن هذه الشريحة، لا تنظر للشخص في وضعية إعاقة كشخص منفرد، بل كشخص ينتمي إلى مجموعة مرتبطة بالوسم بالعجز البديهي المفضي إلى التطبيع وتقبل إقصائهم وتهميشهم؟

إن استمرار بعض الإعلاميين في تبني مقاربة متجاوزة وغارقة في السلبية المجانية، إنما يرهن هذه الفئة بالتمثلات والمعتقدات السلبية السائدة في المجتمع والإدارة والمقاولة، فسطحية معالجة قضايا الإعاقة وتوظيف توصيفات وتعبيرات ذات مدلولات تمتح من المقاربات الإحسانية، كل هذه الأشياء، للأسف، تشكل وتكرس ثقافة لا تشجع الأشخاص في وضعية إعاقة على المشاركة في الحياة العامة بشكل عادل ومنصف، الشيء الذي يعيق إدماجهم ودمجهم الشامل، ويجعل الإعلام يبتعد عن دوره الرئيسي إلى جانب بقية المكونات الأخرى في إذكاء الوعي الحقوقي لدى الأشخاص في وضعية إعاقة وأسرهم وكافة الفئات المجتمعية وبناء ثقافة تحترم الاختلاف وتزيح الحواجز والاتجاهات السلبية، سواء كانت في المخيال الشعبي الجمعي أو التعليم أو الأسرة أو الشارع أو الإعلام، والتي تتعامل مع الأشخاص ذوي الإعاقة على أنهم مشكلة (المعاق = مشكلة) يجب حلها، وكونهم مجرد مستقبلي خدمات يحتاجون للرعاية والمساعدة والوصاية.

ويجدر بنا التذكير هنا، بأن المعنيين بهذا الإشكال، يمثلون بالمغرب 6.8 % حسب البحث الوطني حول الإعاقة لسنة 2014، والذي من ضمن نتائجه أيضا، أن كل أسرة من أصل أربعة بالمغرب، معنية بالإعاقة.

فمتى يا ترى يؤدي الإعلام بكل أطيافه (سمعي، بصري، إلكتروني، اجتماعي…) دوره في تصحيح هذه الصورة على كل هذه المستويات كنوع من المناصرة الواعية والترافع المنتج بصفته آلية مباشرة للاتصال بالجماهير والمجتمعات، بدءا بتملك ممتهنيه للتمثل الجيد للأدبيات المبنية على المقاربة الحقوقية لقضية الإعاقة، مرورا بزوايا تناولها، مما يحتم العمل على تعديل اتجاهات نظرة نساء ورجال الإعلام وتقوية أدائهم المهني الضروري لتحسين صورة الشخص في وضعية إعاقة في الإعلام.

* محاضر وناشط حقوقي في مجال الإعاقة

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى