تحليلات أسبوعية

بين السطور | لا ديدي لا حب الملوك

بقلم: الطيب العلوي

  معروف منذ زمان، ولدى كل المجتمعات، في تاريخ تدبير الأزمات، سواء كانت صحية، حربية، سياسية أو اقتصادية، أنه عندما لا تليق خطة، سياسة أو استراتيجية معينة، تكون لها ما تسمى بـ”خطط الاستبدال”، يأتي تطبيقها فور فشل سابقتها، وتأتي الواحدة تلو الأخرى إلى حين ضبط الحل الملائم لكل أزمة(…).

لكن ما نعشيه حاليا، ما هو شبيه إلا بخطط أقوام الصم والبكم(…)، حيث أنه منذ بداية الجائحة، الغنية الآن عن كل تعريف، لم نر مع الجهود الوقائية المبذولة إلى حد الآن، لا استقرارا في أرقام الإصابات، ولا تراجعا في حالات الوفيات، ولا خمودا لتفشي الفيروس، ولا هم يحزنون، بل ما نرى معها إلا أياما أسوء مما عرفنا، مع الاستمرار، رغم ذلك، في نفس المنهج الرامي باقتصاد البلاد إلى جحيم يقين.

المخيف من كل هذا، ليست استنتاجات ولا تخمينات من هب ودب، وإنما الإشارات التي بدأت تلوح بها الدولة ومراكز القرار منذ أيام، وكأنها تحضر العقول للاحتضار(…)، وآخر الأحداث، تلك الصورة القاتمة التي رسمها لنا هذا الأسبوع، السي محمد بنشعبون، وزير الاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة، عن الوضع الكارثي، وعلى كل المستويات، الذي تعرفه البلاد جراء تداعيات “كوفيد 19”: عشرة آلاف شخص يفقدون عملهم يوميا، ارتفاع عجز الميزانية بـ 55.5 مليار درهم، ضعف المداخيل الجبائية بناقص 11.5 مليار درهم (إلى حدود نهاية غشت 2020)، تراجع إجمالي المداخيل بـ 13.8 مليار درهم، تراجع القيمة المضافة للسياحة بـ 50 %، تراجع القيمة المضافة للتجارة بـ 9.1 في المائة، تراجع القيمة المضافة للنقل بـ 12%…

إذا تم نسخ هذا التراجع الاقتصادي المخيف للبلاد على الحالة الصحية التي لا تزيد هي الأخرى إلا تعثرا، فستكون البلاد، بتجربة “كوفيد” وإلحاحها على الاستمرار في نفس النهج، والذي يشير إلى موت بطيء ومحقق، يعود بنا إلى الماضي، وبالضبط إلى عهد الحماية، حين كان هناك مستعمر فرنسي يدعى “مسيو ديديي” يمتلك مزرعة كبيرة مخصصة لأشجار “حب الملوك” نواحي مدينة صفرو، وكان يعمل بها عدد كبير من العمال الذين كانوا يسكنون بالدواوير المحيطة بالمزرعة، ولما نضجت فاكهة “حب الملوك” وحان قطفها، وكان المحصول جيدا، عبست السماء وظهرت في الأفق سحب سوداء، ولمع البرق وقصف الرعد وبدأت أمطار طوفانية وزخات “التبروري” تتهاطل على الضيعة، وبعد أن توقفت الأمطار، خرج “مسيو ديديي” يتفقد المحاصيل، فإذا به كانت صدمته قوية، إذ لم يجد “مسيو ديديي” ولو حبة واحدة صالحة من محصول “حب الملوك”، فسارع إلى مسكنه المتواجد بالمزرعة نفسها، وأخذ بندقيته وصوبها تحت ذقنه وأطلق الرصاص على نفسه… وعندما سمع عماله صوت الرصاص، هرعوا إلى بيته ليجدوه جثة هامدة، فأخذ العمال يبكون ويصيحون “لا ديدي لا حب الملوك!”.. وبهذه الواقعة الحقيقية، أصبح هذا المثل يتداوله المغاربة دون أن يعرفوا من هم أبطاله ولا تاريخ ولا مكان حدوثه، وخصوصا مغزاه(…)، للتعبير عن كل خسارة مزدوجة(…).

ونتمنى أن تكون الظروف الحالية قد عادت بنا إلى بداية القصة فقط، وعلى أبعد تقدير إلى وسطها، لا إلى نهايتها(…).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى